الحكيم الترمذي

138

غور الأمور

فصارت حية طيبة ، وصارت أشجارها طرية غضة مونقة ، فإذا أبدل مكانه ماء الكفر خبث والذي خبث لا يخرج إلا نكدا أي خبيث تغلبه السباخ عليه في أنهارها ، فتشكت أشجارها لما نزع ماء الرحمة أبدل الكفر . قيل : وما أصل السباح ؟ وكيف أصل خلقتها ، وبذور أمرها ، وغلبتها على الماء في أنهارها وبين لنا . قال : إن النفس الباطنة من موطئ الشيطان وتحت قدمه ، وأما النفس الظاهرة فمن بين خطوته وبين موطئه ، وهي مهدودة مبسوطة من النفس الباطنة ، إذا كانت الخلقة هي الأس والبينة فهي كالقائمة الظاهرة ، والظاهرة محذق « 1 » عليها مركبة مغرورة فيها . فلما عرف اللعين ذلك كله من نفس آدم ، علم أنه سيظفر به إذا احتاج إلى ذلك ، إذ وجد نصيبه فيه قائما ، فلما أمر بالسجود نظر فوجد نصيبه في آدم وهو النفس ، فأبى ذلك وتكبر . ووجد اللعين ذلك في نفسه من نفسه فاتفقا فأبى وعتا وتكبر ، فلعن وطرد ، فلما أسكن آدم الفراديس تفكر اللعين في أمره وأمر آدم ، إذ لعن في جنبه فهاجت من إبليس بحور الحميد بمياهها وإن بدت وامتدت ، فسالت منها عليه أودية فاغترف من ذلك بالقياس والحيلة على ما يبغض به على آدم ما نال من النعم وبما سلبه تلك الكرامة وبما يهلكه . فاغتنم بالشجرة التي نها اللّه آدم عنها ، فاحتال حتى وجد عليه الفرصة من ذلك الوجه ، فلما قال آدم ما قال ، وأشار عليه بالأكل ، تفكر آدم في نفسه ،

--> ( 1 ) الحذق : المعنى الذي يساير السياق هنا هو ، حذق الخل يحذق حذوقا : حمض .