الحكيم الترمذي
136
غور الأمور
فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا من أهل مغفرته وعدته ، إنه كريم ، ولا حول ، ولا قوة إلا باللّه العلىّ العظيم . قال اللّه عز وجل : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً « 1 » فالبلد الطيب النفس المطمئنة ، يريد التي غلب عليها ماء الرحمة والملك بأعوانه فاستولى عليها ، وقهر العدو والنبات والثمرات وهي الأعمال ، وقوله : وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً . والذي خبث أي ما غلب عليها السبخة « 2 » والعدو فاستولاها لا يخرج ثمراتها أي أعماله إلا نكدا « 3 » . فالقلب مستقر ماء الرحمة ، ومعدن نور العطف ، والمعرفة ، والنفس أرض ميتة ذات سباخ ، والجوارح الأشجار ، وما يخرج من الجوارح من الأعمال الحسنة الثمرات . فمتى ما كانت السبخة فيها ذائبة متلاشية كانت أنهارها تجرى بمياهها من المستقر إلى أشجارها ، ومن المستقر إلى المدينة ، وهي النفس سبعة أنهار ، ومن المدينة إلى الأشجار سبعة أنهار ، على كل نهر أنهار شتى ما بين صغير وكبير . قيل له : ما السباخ التي ذكرت ؟ قال : نصفه في موضعه إن شاء اللّه تعالى . فإذا كانت أنهارها جارية صافية كانت المدينة ساكنة طيبة مطمئنة ، والملك عليها أميرا فرحا مستبشرا ، وأشجارها غضة طرية موفقة مزهرة ، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ، والأكل الثمرات .
--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية 58 . ( 2 ) سبخك السّبخة : الأرض المالحة . والسّبخ : المكان يسبخ فينبت الملح وتسوخ فيه الأقدام . ( 3 ) النّكد : الشؤم واللؤم ورجل نكد أي عسر ، وجاءه منكدا أي غير محمود المجئ .