الحكيم الترمذي
109
غور الأمور
ومثال الكلام ، الأول أن القوم خافوا على أنفسهم اشتباه الطريق عليهم ، فاستعرفوا اللّه الطريق المرضى من بينها كرجل دعاه الملك إليه على طريق يرضاه الملك أن يأتيه إليه في ذلك الطريق ، ومن منزل الرجل إلى الملك مسافات وجبانات ، وطرق مختلفة على عدد الاثنين وسبعين فرقة ، على كل طريق منها دال يدله على الطريق ، ويزعم أن الطريق المستقيم الذي يرضاه الملك ، ويحب أن يؤتى إليه فيه هذا ، ويجتهد في ذلك ويحتج ويبين ، ويريه العلائم والشواهد ، فينتبه الرجل ، فيقول للملك : من بين هذه الطريق ، طريق واحد ، وأن كل واحد من هؤلاء يزعم أن الطريق الذي هو عليه ، المرضى والمختار ، وكل يدل با لحجج وبا لشواهد ، فيتفكر الرجل في ذلك ، ويقول : لا أرى الحيلة على وجود تحرى مسرة « 1 » الملك في الإتيان إليه على سبيل يرضاه الملك ويختاره إلا بكتاب من عندي إليه استهديه محبوبه ومختاره من هذه الطرق واستعرفه ليعرفنى ، ويهديني إليه ، فإني قد تهت ، ولا أدرى في أيها أسلك ، فكتب إليه واستعرفه . فقال : عرفني أيها الملك طريقك المستقيم لأسلك فيه إليك فقد اشتبه على الطريق ، فيقال له : أي صراط تريد ؟ فيقول : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ « 2 » ، أي حننت عليهم بأن عرفتهم طريق الرشد من طريق الغىّ بعدما تاهوا فيه كما تهنا ، فيقال لهم : تعنون طريق اليهود ابتلاء واختبارا ؟ فيقولون : غير طريق من غضبت عليهم وهم اليهود . فيقال : فطريق النصارى ؟ فيقولون : ولا طريق الضالين من النصارى ، وهم أصحاب الأهواء ،
--> ( 1 ) مسرة من سرّه سرورا ، ومسرة : أفرحه . ( 2 ) سورة الفاتحة / الآية 7 .