الحكيم الترمذي
108
غور الأمور
عليهم : غير طريق اليهود ، ولا الضالين : ولا طريق النصارى ، وهي هو الاثنين والسبعين فإنها قد فشت في هذه الأمة . فلو أن واحدا منا أخذ بواحدة منها ، أخذ شعبة من تلك الأهواء النصرانية ، فقوله : اهدنا « 1 » ، نقول : عرفنا ، ليس على ما ذهب إليه الناس من الهدى ، فإن اللّه قد هداهم ، ومحال أن يسأل الشئ الذي قد أعطى ، وذلك في اللغة جارى يقال : أتهتدى منزل فلان ، أي أتعرف . ومثال ذلك في الدنيا ، لو أن رجلا حباه الملك بدرة « 2 » من دينار من غير سؤال ولا تعرض ، فنسى الرجل البدرة ، وتقدم إليه يسأله بدرة أخرى من دينار ، فما ظنك به ؟ أليس يهان ويطرد ، ويقال : أليس قد أعطيناك ؟ ، أمسك ما تسأل اليوم . فأنت كفور جهول ، فيحرم العطية ، ويغلق دونه باب الملك ، فلو كان هذا لا يستكثر من ملوك الدنيا ، ويقبح عندهم ، إذن لهو أقبح عند الجميل الجليل .
--> ( 1 ) تفسير الشيخ رحمه اللّه للآية الكريمة لا يبتعد عما ذهب إليه المفسرون لقوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . فالذين أنعمت عليهم جامعة للأنبياء والمؤمنين والمسلمين والشهداء والصالحين كما قال تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً . وأما المغضوب عليهم فهم اليهود ، الذين قال اللّه تعالى عنهم مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ والضالون هم النصارى ، الذين قال اللّه عن بعضهم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً . وقد روى ابن مردويه حديثا عن أبي ذر الغفاري رضى اللّه عنه قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن المغضوب عليهم قال : اليهود ، قلت : الضالين ، قال : النصارى . ( 2 ) البدرة : كيس فيه مقدار من المال يتعامل به ويقدم في العطايا ، ويختلف باختلاف العهود . والجمع بدر .