الحكيم الترمذي

113

أدب النفس

أفلا ترى أنه قال : إذا غلبت شهوات الدنيا حييت ؛ لأن القلب إذا كان في ظلمة الهوى وغفلته ، كان كالميت ، وليس بالميت ؛ لأن الميت قلب الكافر ، وقلب الغافل كالميت ، وليس به حياة ، وقال : إذا فعلت هذا بلغت علم اليقين ، فعلم اليقين أن تعبده سبحانه كأنك تراه . وكذلك وصف اللّه تعالى علم اليقين في تنزيله ، فقال : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ « 1 » . فأخبر تعالى : أن بعلم اليقين ترى الأشياء : ثُمَّ لَتَرَوُنَّها ، أي غدا ، يعنى الجحيم ، عَيْنَ الْيَقِينِ « 2 » . فهذا حق الجهاد ، وأما الآخر فإنه رجل أراد مجاهدة نفسه ، فصام أياما ، ثم ترك ، واجتنب بعض الشهوات ، وتناول بعضا ، وحزن مرة ، وفرح أخرى ، وبكى يوما ، وضحك أياما ، وصام وصلى ، وساح مرة هكذا ، ومرة هكذا ، وحمل على نفسه مؤنا كثيرة ، وأتعب نفسه من طريق أنواع البر ، من سهر الليل ، والحج والجهاد .

--> ( 1 ) سورة التكاثر - الآية رقم 5 ، 6 . ( 2 ) سورة التكاثر - الآية رقم 7 .