الحكيم الترمذي

106

أدب النفس

وإنما أدرك هذا حارثة بمجاهدات النفس ، ألا ترى إلى قوله : « عزفت نفسي عن شهوات الدنيا ولذاتها » فهذا قطع الهوى ، فإذا قطعه هداه اللّه طريقه ، فإذا نظر صار كأنه يراه بلا كيف ، وهكذا وعد في كتابه ، فقال : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 1 » . فإذا هداه طريقه ، لم يبق على قلبه حجاب للشهوة والهوى ؛ لأنه فتح طريق قلبه إليه ، فحينئذ يمكنه السكون إليه ، ويطمئن القلب ، ويثق بوعده ، ويأتمنه على نفسه ، ألا ترى إلى قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم حيث حكى عنهم ، قالوا : وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا « 2 » . . الآية . فأخبروا أنهم إنما قدروا على التوكل ، وهو تفويض أمر النفس إليه ، بأنه هداهم لسبيله ، فزال الحجاب ، أعنى الهوى والشهوات ، عن بصر القلب ، فلم يبق بين يدي قلوبهم شئ يحجبهم ، فصارت الأمور لهم كالمعاينة والمشاهدة ، ألا ترى

--> ( 1 ) سورة العنكبوت - من الآية رقم 69 . ( 2 ) سورة إبراهيم - من الآية رقم 12 .