الحكيم الترمذي

513

ختم الأولياء

المجاهدة على ثلاثة أنواع متفاوتة ، بعضها متقدم على بعض . « فالمجاهدة الأولى مجاهدة التقوى : وهي الوقوف عند حدود اللّه كما مرّ أوّل الكتاب ؛ لان الباعث على هذه المجاهدة طلب النجاة . فكأنها اتقاء وتحرّز - بالوقوف عند حدود اللّه - عن عقوبته . وحصولها في الظاهر بالنزوع عن المخالفة ، والتوبة عنها ، وترك ما يؤدي إليها : من الجاه والاستكثار من المال وفضول العيش والتعصب للمذاهب . و ( حصولها ) في الباطن بمراقبة افعال القلب التي هي مصدر الافعال . . . « ( و ) المجاهدة الثانية مجاهدة الاستقامة : وهي تقويم النفس ، وحملها على التوسط في جميع اخلاقها ، حتى تتهذب بذلك وتتحقق به . فتحسن اخلاقها ، وتصدر عنها أفعال الخير بسهولة ؛ وتصير لها آداب القرآن والنبوة ، بالرياضة والتهذيب ، خلقا جبلّية كأن النفس طبعت عليها . والباعث على هذه المجاهدة طلب الفوز بالدرجات العلى ، درجات « الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ » . إذ الاستقامة طريق إليها ، قال تعالى : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ » . وما كلّف الانسان بطلب هذه الاستقامة سبع عشرة مرة في اليوم والليلة ، عدد ركعات الفرض التي تجب فيها قراءة ( فاتحة ) القرآن - إلا لعسر هذه الاستقامة وعزة مطلبها وشرف ثمرتها . . . « وحصول هذه الاستقامة بعلاج خلق النفس ، ومداواتها بمضادّة الشهوة ومخالفة الهوى ، ومقابلة كل خلق يحس من نفسه هواه والميل اليه والاعتداد به ، بارتكاب ضده الآخر . كمعالجة البخل بالسخاء ، والكبر بالتواضع ، والشرّه بالكف عن المشتهى ، والغضب بالحلم . . . ثم مع هذا العلاج ، لا بدّ من الصبر على مرارته . . . « وليس المراد من هذا العلاج ، في هذه الاستقامة ، قمع الصفات البشرية وخلعها بالكلية . فإنها غرائز جبليّة ، خلق كل منها لفائدة : فلا يتصور قلع الشهوة ، وإلا لهلك الانسان جوعا وانقطع النسل تبتّلا ؛ ولا قلع الغضب ، والا لهلك بالعجز عن مدافعة المعتدي . بل المراد من هذا العلاج تمكّن الاستقامة في النفس حتى تصرّف هذه الغرائز ، بمقتضى آداب اللّه ، تصريفا جبليّا لما فيه من التوطين على ما تصير اليه بعد الموت ، من قطع علائق الحياة والاقبال على اللّه . فتأتي اليه بقلب سليم من الميل والاستقامة . . . « وشروط هذه المجاهدة الإرادة اوّلا ثم الرياضة ثانيا . وليس قصدهم بالإرادة مدلولها المشهور ، وهو تخيل الشيء ثم القصد اليه ، فان هذا عندهم حديث نفس - وانما الإرادة عندهم استيلاء حال اليقين حتى تنبعث العزائم بالكليّة إلى الفعل ، مغلوبا فيه : فكأن المريد مجبور في ارادته لا مختار ! . . . « واما الرياضة ، فهي تصفية القلب عن الرذائل والخبائث المذمومة ، وتزكيته بالفضائل المحمودة ، التي هي الاستقامة والاعتدال في كل خلق من أخلاقه وغرائزه وجبلّاته . فعلاج ذلك يكون في الظاهر ، أوّلا برفض ما يقع اليه الميل غالبا ، ويستهوى منه الشيطان قلوب المؤمنين : من زينة الحياة الدنيا وشهواتها . . . « ثم يحتاج ثانيا ، في الباطن ، إلى علاج ما تمكّن من آثارها وارتفع من علائقها . فلا بدّ ان يخليه من ذلك كما أخلى الظاهر من أسبابه . وفيه تطول المجاهدة ، وتختلف باختلاف