الحكيم الترمذي

514

ختم الأولياء

الأحوال والسنّ والمزاج والغالب من الصفات المذمومة . وعلم ذلك غامض إلّا على من يسّره اللّه لليسرى . وربما كان الشيخ من ميسّرات اللّه له وأسباب هدايته . « والقانون العام ، في هذه الرياضة والعلاج ، مخالفة الهوى ومضادة الشهوة ، و ( مقاومة ) الباعث في كل صفة غالبة على نفس المريد ، كما قدمناه ، حتى تحصل الاستقامة والاعتدال ويذهب الهوى والميل إلى الشيء من جانبي الغرائز الجبليّة . فيتساوى عنده الفعل والترك والوجد والفقر ، ويصرف قواه في طاعة الحق والعدل . ويتمحضّ لجانب اللّه . وحينئذ لا يترجّح في حقه زهد ولا تموّل ولا رهبانية ولا تمتّع ! « . . . . . . . . . . . . . . . « المجاهدة الثالثة ومجاهدة الكشف والاضطلاع : وهي محو الصفات البشرية ، وتعطيل القوى البدنية بالرياضة والمجاهدة ، حتى يحصل له ما يقع به الموت من ذلك أو ما يقرب منه . ثم محاذاة شطر الحق باللطيفة الربانية لينكشف الحجاب ، وتظهر اسرار العوالم والعلوم واضحة للعيان . و ( هذا ) هو العلم الالهامي ، الذي قدمنا انه يحصل بالتصفية . « ولهذه المجاهدة ، عند القوم ، شروط . فالأول ، حصول التقوى الذي قدّمنا شرح مجاهدتها . . . « الشرط الثاني ، حصول الاستقامة التي قدّمنا أيضا شرح مجاهدتها . . . « الشرط الثالث ، الاقتداء بشيخ سالك ، قد خبر المجاهدات ، وقطع طريق اللّه ، وارتفع له الحجاب ، وتجلّت له الأنوار . فهو يعرف أحوالها ، ويدرج المريدين في عقباتها ، حتى تتاح له الرحمة الربانية ، ويحصل له الكشف والاضطلاع . . . « الشرط الرابع ، قطع العلائق كلها عن النفس : بالزهد في كل شيء ، والانفراد عن الخلق بالخلوة في مكان مظلم ، أو لف الرأس في الجيب ، أو التدثّر بكساء أو إزار ؛ ثم الصمت بترك الكلام جملة ؛ ثم الجوع بمواصلة الصيام ؛ ثم السهر بقيام الليل . وهذه هي التي كان المطلوب في مجاهدة الاستقامة اعتدالها ، حتى يصير استواء الفعل والترك فيها عند القلب جبليّة طبيعية . وأمّا هنا ، فيطلب تركها بالكليّة ، واخماد سائر القوى البشرية ، وأمانتها حتى الفكر ، ليكون ميت البدن حيّ الروح . . . واليه الإشارة بقوله ، صلى اللّه عليه وسلم : « موتوا قبل ان تموتوا » ! « الشرط الخامس ، صدق الإرادة . وهو ان يستولي حب اللّه على قلب المريد ، حتى يكون في صورة العاشق المستهتر ، الذي ليس له إلّا همّ واحد . - فإذا حصلت هذه الشروط كلها ، فصورة العمل ، في هذه المجاهدة ، ان يشغله الشيخ بذكر يلزم قلبه على الدوام ، ويمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة ومن التلاوة . بل يقتصر على الفروض والرواتب ، ويكون ورده ملازمة القلب لذلك الذكر ، ولا يشغل قلبه بغيره . قال الشبلي للحصري : ان كان يخطر على قلبك ، من الجمعة ، إلى الجمعة ، شيء غير اللّه - فحرام عليك ان تأتيني » ! ( المصدر المتقدم ، ص 33 - 42 )