الحكيم الترمذي

512

ختم الأولياء

« فاللذة على ضربين : لذة للغرائز البدنية بحصول مقتضى طباعها ؛ ولذة للقلب بحصول مقتضى طبعه وغريزته : وهو العلم . وأعلاها لذة معرفة اللّه تعالى وصفاته . ولذة جمال مطالعة حضرة الربوبية هي التي عنى النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، بقوله : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . إلّا ان هذه المطالعة والمعرفة يقع فيها بعد الموت مزيد كشف واتضاح ، كان البدن مانعا منه : ويتنزل منزلة المبصر وهو المعبر عنه بالرؤية » . ( شفاء السائل لتهذيب المسائل ، لابن خلدون ، ص 26 - 28 ) 54 ) ابن خلدون : ( المعرفة الكشفية ) « اعلم أن هذه اللطيفة الربانية ، التي فينا ، إذا حصل لها بالتصفية والمجاهدة العلم الالهامي كما قدمناه - ويسمى كشفا واطلاعا - فهو ذو مراتب تختلف وتتفاوت بتفاوت الصفاء والتخلص من الكدورات . فمبدؤها المحاضرة ، وهي آخر مراتب الحجاب وأول مراتب الكشف . ثم بعدها المكاشفة . ثم بعدها المشاهدة ، ولا تكون إلا إذا امّحت آثار الانية . « قال الجنيد ، رضي اللّه عنه : « صاحب المحاضرة مربوط بانيته ، وصاحب المكاشفة ( مربوط ) بدينه وعلمه ، وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته » . قال الأستاذ أبو القاسم : « المحاضرة حضور القلب ؛ وقد يكون بتواتر البرهان ، وهو بعد وراء الستر وان كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر . ثم بعده المكاشفة ، وهي حضوره بنعت البيان غير مفتقر في هذه الحالة إلى تأمل الدليل وتطلب السبيل ، ولا مستجير من دواعي الريب ولا محجوب عن نعت الغيب . ثم المشاهدة ، وهو حضور الحق من غير بقاء تهمة » . « ومثال هذا التفاوت في الاتضاح : أن تبصر زيدا في الدار عن قرب وفي صحن الدار في وقت اشراق الشمس . فهذا كمال الادراك . وآخر ، يدركه في بيت أو من بعد أو في وقت عشية . فيتمثل من صورته ما يتعين معه انه هو ؛ ولكن لا يتمثل في نفسه الدقائق والخفايا من صورته . ومثل هذا يتصور في تفاوت المكاشفة للعلوم الإلهية ؛ وأقصى مراتب هذا الكشف وأعلاها هو رتبة المشاهدة : وهو المعرفة باللّه وصفاته وافعاله واسرار ملكوته في أكمل رتب المعرفة . وقد بيّنا ان المعرفة بذر في هذه اللطيفة تسير بها في الآخرة للسعادة الكبرى ، التي هي النظر إلى وجه اللّه ؛ وان تلك السعادة ، التي هي التجلّي هناك ، تتفاوت بتفاوت المعرفة هنا . والرتبة العليا من المعرفة ، التي هي المشاهدة ، عزيزة الوجود ، شريفة ، شرودة . وانما تحصل لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية التي لا فوقها ( غاية ) » . ( نفس المصدر المتقدم ، ص 30 - 31 ) 55 ) ابن خلدون : ( المجاهدات ) « وخلاصة القول في ذلك ، على ما تأدّى الينا من تصفح مذهبهم وتتبّع أقوالهم ، ان