الحكيم الترمذي
511
ختم الأولياء
« بل الفناء المحمود عن العارفين هو تحقيق شهادة ان لا اله الا اللّه ! فلا يشهد لمخلوق شيئا من الآلهية . فيشهد انه لا خالق غيره ؛ ويشهد انه لا يستحق العبادة غيره ؛ ويتحقق بحقيقة قوله ( تعالى ) : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » وقوله : « فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ » . وإلّا ، فإذا شهدت انه المستحق للعبادة مع رؤيتك نفسك - لم تشهد حقيقة « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . وإذا شهدت حقيقة انه الفاعل لكل شيء ، ولم تشهد انه المستحق للعبادة دون سواه ، وان عبادته انما تكون بطاعة رسوله - لم تشهد حقيقة « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . وإذا تحققت بقوله : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » تحققت بالفناء في التوحيد ، الذي بعث به اللّه رسله وانزل به كتبه . . . « ولهذا لما سلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما هذه الطريق الفاسدة ، أورثهم ذلك « الفناء عن وجود السوى » . فجعلوا الموجود واحدا ، ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق . وحقيقة الفناء ، عندهم ان لا يرى الا الحق ، وهو الرائي والمرئي ، والعابد والمعبود والذاكر والمذكور . . . . . وهذا منتهى سلوك هؤلاء الملحدين ! » ( نفس المصدر المتقدم ، ص 516 - 521 ) 53 ) ابن خلدون : ( السعادة القصوى ) « اعلم أن معنى السعادة حصول النعيم واللذة ، باستيفاء كل غريزة ما تشتاق اليه من مقتضى طبعها ، وذلك هو كمالها . فلذة الغضب بالانتقام ، ولذة الشهوة بالغذاء أو النكاح ، ولذة البصر بالرؤية ، ولذة هذه اللطيفة الروحانية بحصول العلم والمعرفة ، لأنه - كما قدمنا - مقتضى طبعها وغريزتها . ثم تتفاوت اللذات بتفاوت الغرائز في أنفسها . « وقد تبيّن ان هذه اللطيفة أكمل الغرائز المدركة ، فلذتها بالادراك أتم وأعظم . ثم تتفاوت ( لذتها ) أيضا بتفاوت المعلومات : فالعلم بالنحو والشعر والفقه ليس كالعلم باللّه وصفاته وافعاله ؛ والاطلاع على اسرار السوقة والفلاحين ليس كالاطلاع على اسرار الملوك ومواطن تدبيرهم . . . « فإذا كان في المعلومات ما هو أجلّ واشرف ، وفي العلوم ما هو أتم وأوضح - وكان الشوق إلى العلم به شديدا - فالعلم به ألذّ العلوم لا محالة . وليس في الوجود أعلى ولا أكمل من خالق الأشياء وموجودها ومرتّبها . وهل يتصور أن تكون حضرة في الكمال والجمال أعظم من الربوبية ، التي لا يحيط بمبادئ جلالها وصف واصف ؟ فاذن ، الاطلاع على اسرارها ، والعلم بترتيبها المحيط بكل الوجودات - علما لدنيّا إلهاميا ، واطلاعا كشفيا - هو أعلى أنواع المعارف وأكملها وأوضحها وألذّها ، وأحرى ما يحصل به الابتهاج والفرح ويستشعر به الكمال . « فقد تبيّن أن العلم لذيذ ، وأن ألذّ العلوم معرفة اللّه وصفاته وافعاله وتدبير مملكته ، بالعلم الالهامي اللّدنيّ الذي قدمنا شرحه . ولا سيّما من طال فكره في ذلك وحرص على الاطلاع على اسرار الملكوت ، فإنه يعظم فرحه عند الكشف بما يكاد يطير له . وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق ؛ والحكاية فيه قليلة الجدوى . ولقد يستشعر شيئا من هذه اللذة طلاب العلم الكسبي ، عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات ، التي يطول حرصهم عليها وشوقهم إلى معرفتها .