الحكيم الترمذي

496

ختم الأولياء

لا بد للسالك من قطعها ، كلها تفاريع هذه المقامات الثلاث . « وأوّل ما يلد المولود ( يكون ) في مقام النفس . فإنه حيوان كباقي الحيوانات ، لا يعرف إلا الأكل والشرب لا غير . ثم بالتدريج يظهر له باقي صفات النفس من القوى الشهوانية ( الأصل : الشهوية والتصحيح ثابت في نسخة بيازيد ) والغضبية والحرص والحسد والبخل وغير ذلك من الصفات ، التي هي نتائج الاحتجاب والبعد من معدن الصفات الكمالية . فهو حيوان منتصب القامة ، يصدر منه الأفاعيل المختلفة ، بحسب الإرادات المتنوعة . فهو في حجب الظلمانية ، السائرة للحق - سبحانه ! وحقيقته . ثم إذا تيقظ من سنة الغفلة وتنبّه على أن ( الأصل : ما وهي ساقطة في نسخة بيازيد ) وراء هذه اللذات البهيميّة لذات أخر ، وفوق هذه المراتب مراتب أخر كمالية - يتوب عن اشتغاله بالمنهيات الشرعية ، وينيب إلى اللّه تعالى بالتوجه اليه . فيشرع في ترك الفضول الدنياوية طلبا للكمالات الأخروية . ويعزم عزما تاما ، ويتوجه إلى السلوك إلى اللّه تعالى ( فارّا ) من مقام نفسه . . . و ( عندئذ ) يقع في الغربة ! « والمسافر لا بد له من رفيق يرافقه ودليل يدلّه على طريقه . فيصاحب من له هذا التوجه والعلم بالطريق ، وهو الشيخ . ثم إنه ما دام لا يعتقد فيه لا ينفتح له شيء ولا ينتفع بصحبته . فوجب عليه ( الأصل : له ) ان يعتقد فيه بالخير ، وان صحبته منجية ( له ) من المهالك ، وانه عالم بالطريق الذي يسري اليه ، وهو الإرادة . فإذا تحقق بالإرادة ، لا بدّ ( الأصل : ولا بد ) له ان يعمل بما يقوله الشيخ ليمكن له حصول المقصود . حتى قيل : ان المريد بين يدي الشيخ ينبغي ان يكون كالميت بين يدي الغاسل . « ثم إذا دخل في الطريق يزهد في ( الأصل : عن ) كل ما يعوقه عن مقصوده : من الأحوال ( الأصل : الأموال ) الدنياوية وأحوال معيشته ( الأصل : فيها ، هي ساقطة في نسخة بيازيد ) . وينفي كل خاطر يرد على ( الأصل : في ) قلبه ويجعله مايلا إلى غير الحق ، فيتصف بالورع والتقوى والزهد . ثم يحاسب نفسه دايما في افعاله وأقواله ، ويجعلها متّهمة ( الأصل : متهما ) في كل ما تأمر به ، وان كان ( - في الأصل وهي ثابتة في نسخة بيازيد ) امرها بالعبادة أيضا . لان النفس مجبولة بمحبة شهواتها ولذاتها ، فلا ينبغي ان تؤمن مداخلها ، فإنها من المظاهر الشيطانية . « فإذا خلص منها وصفا وقته وطاب عيشه بالالتذاذ بما يجده في طريق المحبوب - ينور باطنه : فيظهر له لوامع أنوار الغيب ، وينفتح له باب الملكوت ، ويلوح منه لوايح ، مرّة بعد أخرى . فيشاهد أمورا غيبية في صور مثالية . فإذا ذاق شيئا منها يرغب في العزلة والخلوة والذكر ، والمواظبة على الطهارة التامة ، والوضوء والعبادة والمراقبة والمحاسبة . ويعرض عن المشاغل الحسية ، ويفرغ القلب عن محبتها . ويتوجه باطنه إلى الحق بالكلية . فيظهر منه ( الأصل : له ) الوجد والسكر والوجدان والشوق والذوق والمحبة والهيمان والعشق . فيمحوه تارة بعد أخرى . فيجعله فانيا عن نفسه . فيشاهد المعاني القلبية والحقايق السرية والأنوار الروحية . فيتحقق في المشاهدة والمعاينة والمكاشفة ؛ وتفيض عليه العلوم اللدنية والاسرار الإلهية . وتظهر ( الأصل : ويظهر ) له أنوار حقيقته تارة وتختفي أخرى ( الأصل : ويختفي ) . حتى يتمكن ويخلص من التلوين . وتنزل عليه السكينة الروحية . ويصير ورود هذه الأحوال له ملكة . فيدخل في عالم الجبروت . ويشاهد العقول المجردة والأنوار القاهرة والمدبّرات الكلية للأمور الإلهية :