الحكيم الترمذي
493
ختم الأولياء
« فالنبوة دايرة مشتملة على نقط في محيطها ؛ وكل نقطة منها مركز دايرة برأسها . فخاتم النبيين المرسلين ، محمد ، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . صاحب هذه الدايرة الكلية . لذلك كان نبيا « وآدم بين الماء والطين » . وغيره من الأنبياء ، عليهم السلام ، كنقط محيطها . « والنبوة عطاء الاهي ، لا مدخل للكسب فيه . فالنبي هو المبعوث من اللّه تعالى لارشاد الخلق وهدايتهم ، المخبر . عن ذاته وصفاته وافعاله واحكام الآخرة ، من الحشر والنشر والثواب والعقاب . وللنبوة باطن وهو الولاية . فالنبي ، بالولاية ، يأخذ من اللّه تعالى أو من الملك ، المعاني التي بها كمال مرتبته في الولاية والنبوة . وبالنبوة يبلّغ ما اخذه من اللّه تعالى ، بواسطة أو لا بواسطة ، إلى العباد ويكلمهم به ؛ ولا يمكن ذلك الا بالشريعة . وهي عبارة عن كل ما اتى به الرسول من الكتاب والسنة وما استنبط منهما من الاحكام الفقهية على سبيل الاجتهاد ، أو انعقد عليه اجماع العلماء . . . « ولما كان للكتاب ظهر وبطن وحد ومطلع ، كما قال ، عليه السلام : « ان للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا » ، وقال عليه السلام : « ان للقرآن بطنا ولبطنه بطنا ، إلى سبعة ابطن » وفي رواية « إلى سبعين بطنا » ؛ - وظهره : ما يفهم من الفاظة ويسبق ( الأصل : بسبق ) الذهن اليه . وبطنه : المفهومات اللازمة للنظر ( الأصل : للمفهوم والتصحيح من نسخة بيازيد وكذلك المتقدم ) الأول . وحدّه : ما اليه ينتهي غاية ادراك الفهوم والعقول ؛ ومطّلعه : ما يدرك منه على سبيل الكشف والشهود ، من الاسرار الإلهية والإشارات الربانية . والمفهوم الأول ، الذي هو الظهر ، للعوام والخواص . والمفهومات اللازمة له ( هي ) للخواص ولا مدخل فيها للعوام . والحدّ للكاملين . والمطّلع لخلاصة أخص الخواص كأكابر الأولياء . وكذلك التقسيم في الأحاديث القدسية والكلمات النبوية : فان لكل من العوام والخواص وأخصّ الخواص فيها اتباءات رحمانية وإشارات الاهية . - ( من أجل هذا كله ، ) كان للشريعة ظاهر وباطن . « ومراتب العلماء أيضا فيهما متكثرة . ففيهم فاضل ومفضول ، وعالم واعلم . والذي نسبته إلى نبيه أتم وقربه من روحه أقوى ، كان علمه بظاهر شريعته وباطنها ( الأصل : وباطنه ) أكمل . والعالم بالظاهر والباطن منهم أحق ان يتبع ، لغاية قربه من نبيه ، وقوة علمه بربه واحكامه ، وكشفه حقايق الأشياء ، وشهوده إياها . ثم من هو دونه في المرتبة إلى أن ينزل إلى مرتبة علماء الظاهر فقط . وفيهم أيضا مراتب . إذ العالم بالأصول والفروع أحق ان يتبع من العالم بأحدهما . واعني بالأصول الكتاب والسنة وما يدلان عليه من العقايد الحقة ، في الحق سبحانه وكتبه وصحفه واليوم الآخر ، وما يقضي به العقل المنور بالنور الإلاهي والتجلي الرحماني ، من الاحكام الحقة الإلهية ، لا المسايل الكلامية المختلف فيها اختلافا لا يكاد يرتفع إلى يوم القيامة . . . « فالواجب على الطالب المسترشد اتباع علماء الظاهر في العبادات والطاعات ، والانقياد لعلم ظاهر الشريعة فإنه صورة علم الحقيقة لا غير ؛ ومتابعة الأولياء في السير والسلوك ليفتح له أبواب الغيب والملكوت . « وعند الفتح وانكشاف الباطن له والمفهومات اللازمة للمفهوم الأول ، المعلوم من لسان الإشارة ، - يجب عليه العمل بمقتضى علم الظاهر والباطن ، ان كان مما عليه الجمع بينهما . وان لم يمكن الجمع بينهما فهو ، ما دام لم يكن مغلوبا لحكم الحال والوارد ، أيضا يجب عليه اتباع العلم ( الظاهر ؟ ) . وان كان مغلوبا ، بحيث خرج من مقام التكاليف ، فعمله بمقتضى