الحكيم الترمذي

472

ختم الأولياء

مما يتعلق بحاسة العين ، لأنها كانت معطلة . فإذا هي من مدركات الروح . ( لا ) من القوة المستفادة من الحواس . فلا يكون في مثل هذه الواقعة تصرف متخيلة البتة . « ومنها ما هو مدرك القلب أو الروح من عالم الغيب . فإن كان ذلك من قبيل رؤية الملائكة ، فربما تكون الصورة المشاهدة من الملك في النوم أو اليقظة من تمثل الملك له بصورة ، كما كان حال جبريل ، عليه السلام . فإنه كان يأتي النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، في صورة دحيّة الكلبي ، في الأكثر ؛ ويأتيه أحيانا في صورة غيره ، كما روى عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه ، وغيره في الحديث المشهور ، الذي اشتمل على الأسئلة عن حقائق الاسلام والايمان والاحسان . . . « فالنبي ، عليه الصلاة والسلام ، والصحابة بأسرهم رأوا جبريل عليه السلام في صورة أعرابي . ولا شك ان تلك الصورة ليست من قبيل تصرف المتخيلة ، فان تصرفات القوة المتخيلة ، في الاشخاص المختلفة الطباع ، لا تكون على نهج واحد ، بل تختلف اختلافا بينا . ولذلك قلّما يتفق ان ترى جماعة النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، في المنام على صورة واحدة . إلّا ان يتخيّلوا قبل منامهم صورته وشكله وهيئتة على ما هو المثبت في الكتب . فلما اتفقت رؤية الصحابة على صورة واحدة وزيّ واحد ، وما اختلفت أحوال مدركاتهم ، علمنا أن تلك الصورة لم تكن ( من ) جنس اختراع المتخيلة ، بل من قبيل تمثل الملك . هذا كمال مرتبة الروحانية ، وتصرفها في عالم الأجسام » . ( تحفة البررة ، لمجد الدين البغدادي ، مخطوط برلين رقم 3088 / 33 / ا - 34 / ب نقلا عن فريتز ماير في تحقيقه لكتاب فواتح الجمال ص 286 - 87 ) . 27 ) مجد الدين البغدادي : ( حقيقة التفريد والانس باللّه ) « . . . ولن يتيسّر التفريد الا بمدة مديدة ومشقة تامة . بواسطة نفس الخواطر . فان جميع الأشياء المحسوسة ، التي استأنس بها المريد في ابتداء أمره وجاهليته ، والتي شاهدها ولم يستأنس بها - مرتسمة في خياله . « فإذا جلس في الخلوة واشتغل بالذكر شوّشت عليه الأمر والوقت ، تارة بنسج الخواطر وانشائها ، وتارة بمخالطتها المشاهدات العينية ( لعل الصواب : الغيبية ) ومزاحمتها إياها . وكذلك هواجس النفس ودواعي هواها على اختلافها ، ووساوس العدو على كثرتها بوسيلة الهوى ، تكدّر ينبوع القلب وتفرق جمعية الباطن وتسلب عن المريد حلاوة الذكر ولذة مناجاة قلبه . فإذا واظب على نفس الخواطر - وهو المهم الأعظم والشرط الأكبر ، بل هو خلاصة امر الخلوة وزبدة حقيقية المعاملة - وصل إلى حقيقة التفريد والانس باللّه . فيتبدّل القاء الشيطان بالهام الرحمن ، وحديثه بمكالمة القلب والروح والحق ، سبحانه ! أو بمناجاة القلب مع اللّه ، على اختلاف المراتب . . . » . ( نفس المصدر ورقة 21 / ب ) .