الحكيم الترمذي

110

ختم الأولياء

بيد انه ليس في وسعه ان يتخلص من شهوات النفس في الطاعات والمحامد والمكارم : فالنفس مجبولة على حب هذه الأشياء . وما دامت هذه النفس الشهوانية حية وموجودة فلا سبيل إلى الحرية التامة والكمال المنشود . ولكن إذا تيسر لصاحب النعمة الإلهية ان يتخطى حدود فرديته الضيقة وينعتق من عبودية نفسه الشهوانية فذلك انما يكون بوساطة قوة عليا أعظم من قوته ، الا وهي قوة الحق سبحانه وتعالى ! ان الفوارق الحاسمة والأساسية بين « الصادق » والمنعم عليه ، في الحياة الروحية ، ان هذا الأخير يعيش باللّه وللّه ويريد باللّه وللّه ويحب ويرضى باللّه وللّه . اما رجل « الصدق » فلم يصل ولن يصل إلى هذا المستوى الفائق العظيم . - والترمذي يستدل على نظريته هذه بالحديث القدسي المعروف : « . . . ولا يزال عبدي يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها وقلبه الذي يعقل به . فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي وبي يعقل . ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه [ 357 ] . فهذا العبد ، الذي هو مجلى الحب الإلهي وموضع ألطافه ، هو كائن رباني حقّا : يرى باللّه ويسمع باللّه ويعقل ويتأمل باللّه . وليس ذلك يعني ان اللّه ، سبحانه ، قد أصبح انسانا أو ان الانسان قد أصبح الاها . جل جلال الحق ان يكون موضوع الحوادث أو ان يكون حادثا ! ولكن الحقيقة الكبرى ، التي يدل عليها هذا الحديث القدسي الشريف ، والتي هي ذروة التوحيد وتاج العرفان ، هي شهادة الحق لنفسه بنفسه عبر الكائن الانساني الفاني . وذلك هو صنع الحب الإلهي وشأنه الخلّاق العجيب ! * * *

--> ( 357 ) اخرج هذا الحديث القدسي البخاري عن أبي هريرة ؛ واخرجه بروايات اخر ، احمد وابن أبي الدنيا وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة ؛ والطبراني والبيهقي عن أبي امامة ؛ والإسماعيلي عن علي ؛ والطبراني عن ابن عباس وانس وحذيفة ؛ وأبو يعلى والبزار عن انس ؛ وابن ماجة وأبو نعيم عن معاذ ؛ واحمد وأبو نعيم عن وهب بن منبه . وقد شرح هذا الحديث ابن القيم في الجواب الكافي ص 249 - 253 ( ط . 1346 ه . ) وهو الحديث الثامن والثلاثون من شرح « خمسين حديثا » للحافظ ابن رجب الحنبلي . ( انظر الرد على المنطقيين لابن تيمية ص 520 تعليق رقم 1 ) .