الحكيم الترمذي
109
ختم الأولياء
« النعمة » يصير بمثابة آلة صماء ، ينفعل أكثر ما يفعل ويأخذ أكثر ما يعطي ويستجيب ولا يجيب ؟ والواقع ان هذا فهم سطحي لطبيعة النعمة الإلهية وموقف الانسان منها . ان « النعمة » لا تفقد المرء حريته أو كسبه ولكنها ، بكل دقة ، تسمو بهما إلى منطقة اسمى بكثير من منطقة الانسان وحدوده وآفاقه . ونحن حين نتأمل في سيرة أصحاب النعمة المقدسة ، اي في سيرة الأولياء حقّا نجدهم أكثر الناس تمسكا « بالفضائل الانسانية » وأشدهم حبّا للانسان من حيث هو انسان ! وكذلك نراهم أعمق من غيرهم في فهم معنى الواجب والتضحية والفداء . * * * يرى الحكيم الترمذي بحق ان أهل الصدق هم عمّال في الحياة الروحية شأنهم في هدا شأن الخدام والاجراء في الحياة المادية سواء بسواء . وذلك لان أصحاب الصدق يضعون نصب أعينهم دائما فكرة الجزاء المباشر لنشاطهم ، اي فكرة المنفعة العاجلة أو الآجلة لقاء مجهودهم ؛ فهم اذن لم يخلصوا العمل للّه وحده أو لوجهه الكريم . كما أن رجال الصدق منصرفون تماما إلى الفعل ، مستغرقون فيه بالكلية فليس لهم اشراف سام إلى سماء التأمل المحض أو المشاهدة الخالصة . وعلى العكس من هؤلاء ، رجال النعمة المقدسة - الصدّيقون : هم الأحرار ، الأوفياء ، النبلاء كما يسميهم شيخ ترمذ . غرضهم الأخص هو التحرر الأتم من نطاق الفردية الضيّق ، اعني التنزه عن كل قيد أو شرط أو حد . . . ونشاطهم موجّه شطر الحق وحده ، لا يرضون دونه بدلا ولا في ما سواء جزاء أو شكورا . فاللّه وحده هو جزاؤهم ووجهه الكريم هو قبلتهم وغبطتهم . انهم على الأرض يعيشون ببهجة السماء ، وفي السماء يحيون الأبد . انهم على الأرض يتبحبحون في ميادين التوحيد وفي السماء يلقون نضرة العيان ونعيم الخلود . ويقرر الترمذي بمهارة وخبرة ان الصادق لا يستطيع التحرر تماما من سلطان نفسه الشهوانية وبالتالي لا يقدر ان يسيطر بالكلية على جوارحه وأعضائه الظاهرية . نعم ، انه يمكنه ان يبتعد عن المحارم والمكاره ، وحتى عن شهوة النفس فيها ؛