الحكيم الترمذي
107
ختم الأولياء
منها الموت . ثم يشفق عليها صاحبها ، فيغطها في الماء غطّا ثم يرمي بها إلى اليبس . ثم لما ازف منها الموت ، رشّ عليها الماء فأحياها . فهذا لعب من صاحبها بها ! » . ويبدو الترمذي من خلال تحليله لطبيعة النفس الفردية متشائما جدّا . ومثله في هذا ، مثل سائر الصوفية على الاطلاق وخاصة الملامتية . فهو يقرر بوضوح ودقة ان السائر في الطريق سينتهي به المطاف ، في آخر الامر ، إلى درجة العجز والحيرة والاضطرار . وسيقف آنئذ صفر اليدين خالي الوفاض بادي الانفاض ، يرتد طرفه نحو السماء خاسئا وهو حسير ! وتلك هي الليلة الظلماء ، حيث لا نجم ولا كوكب ولا قمر . . . بيد ان الحكيم الترمذي إذا كان متشائما بالقياس إلى طبيعة النفس ومدى امكانها وطاقتها فهو جد متفائل بالقياس إلى رحمة اللّه سبحانه ، وعظيم غفرانه وسعة سلطانه . فلنستمع اليه أيضا : « فلما استفرغ هذا الصادق مجهوده في الصدق في سيره ، على ما وصفت ، ووجدها ( اي نفسه ) حية معها هذه الصفات ( المذمومة ) تحير وانقطع صدقه وقال : كيف لي ان اخرج من نفسي حلاوة هذه الأشياء ؟ فعلم أنه لا يقدر على ذلك ، كما لا يقدر ان يبيض الشعرة السوداء . وقال : ان هذه نفسي قد اوثقتها بالصدق مني للّه ، فكيف لي ان حللت وثاقها فأبقت وهربت ، متى ألحقها ؟ فوقع في مفازة الحيرة . فاستوحش ! وبقي وحيدا في تلك المفازة ، لأنه قد ذهب أنس النفس ولم ينل انس الخالق . فحينئذ صار مضطرّا ، لا يدري أيقبل أم يدبر ؟ فصرخ إلى اللّه يائسا من صدقه صفر اليدين ، خالي القلب من كل جهد . وقال في نجواه : قد تعلم ، يا عالم الغيوب والخفيات ! انه لم يبق لعلمي بالصدق موضع قدم أتخطّى به . ولا لي مقدرة على محو هذه الشهوات الدنسة من نفسي وقلبي فأغثني ! فأدركته الرحمة فرحم . فطير بقلبه من مكانه الذي انقطع فيه في لحظة فوقف به في محل القربة ، عند ذي العرش . فوجد روح القربة ونسيمها وتبحبح في فضائها وفي ساحات توحيده . وذلك قوله ، عز وجل :