الحكيم الترمذي

106

ختم الأولياء

والأولياء عند الحكيم الترمذي ، ينقسمون إلى قسمين اثنين : أولياء حق اللّه وأولياء اللّه حقّا . والأولون هم أصحاب الولاية العامة والآخرون هم أصحاب الولاية الخاصة . فالولي العام ، أو ولي حق اللّه هو الذي اتخذ الصدق قاعدة له ومنهجا ، لا يحيد عنها مطلقا . وقاعدة الصدق ، في الحياة الروحية ، تظهر آثارها في نطاقين اثنين : في نطاق ظاهري خارجي وفي نطاق باطني داخلي . فالسالك في هذا الطريق ، حين يعي تماما بحقيقته الانسانية ومعناه الوجودي ومصيره النهائي ، يلزم أعضاءه وجوارحه حفظ الشريعة ومقتضياتها . فهو يؤدي الفرائض على وجهها الصحيح ويبتعد عن المحارم والمكاره ابتعادا كليّا ويأخذ نفسه بالجد الصارم في كل ما يفعل وما يذر حتى تستقيم « أركانه » لشرع اللّه في نهيه وأمره . وانه لمن الجهل المطبق والغفلة الحمقاء ان يظنّ المرء ان الحياة الروحية تدرك بمجرد الرغبة فيها أو الصبوة إليها . كلا ! ان الحياة الروحية ، وهي اسمى أطوار الوجود الانساني ، نشاط تام للكائن ؛ اي هي مجهود متكامل للكيان البشري من جميع أقطاره : فكرا وإرادة ، نية وعملا . ولكن يجب على السالك في الطريق ان لا يكتفي بالقيام باعمال الجوارح فحسب بل عليه ان يقوم بعمل آخر باطني ، هو المعيار الحقيقي لكل ما يحققه في الخارج من عبادات ومعاملات . هذا العمل الباطني هو مراقبة النفس وتصحيح النية . والصادق في سيره إلى الحق سبحانه ! كما هو ملزم بترويض أعضائه على احكام العبادة هو ملزم أيضا بترويض نفسه على شؤون العبودية . والترمذي يصف لنا بلغة مؤثرة النضال المرير الذي يستمر بين المرء ونفسه الفردية الشهوانية من اجل الحرية والتحرير : « فما زال ذلك دأب هذا الصادق في سيره إلى اللّه تعالى : يمنع نفسه لذة الحلال ولذة الطاعات ولذة العطاء . و ( هو ) مع ذلك ، يجاهد نفسه في تصفية الاخلاق الدنية : مثل الشح والرغبة والمذمة والجفوة والحقد ، وأشباه ذلك . . . حتى إذا استفرغ مجهوده من الصدق ولم يبق للحق قبله اقتضاء ، التفت إلى نفسه فوجدها كما كانت بديّا : فيها تلك الهنات موجودة . قال له قائل : وما تلك الهنات ؟ قال : الفرح بالأحوال عند الخلق والطلب للمنازل العلية عند اللّه . . . ( فهو ) بمنزلة سمكة يريد صاحبها ان يميتها ، فيلقيها على التراب ، فهي تضطرب فيه ، قد ازف