حسين بن منصور الحلاج

39

ديوان الحلاج

[ 3 ] وقال إبراهيم بن فاتك : دخلت يوما على الحلّاج في بيت له على غفلة منه فرأيته قائما على هامة رأسه ، وهو يقول : يا من لازمني في خلدي قربا ، وباعدني بعد القدم من الحديث غيبا . تتجلّى عليّ حتى ظننتك الكلّ ، وتسلب عنّي حتى أشهد بنفيك . فلا بعدك يبقي ، ولا قربك ينفع ، ولا حربك يغني ، ولا سلمك يؤمن . فلمّا أحسّ بي قعد مستويا ، وقال : ادخل ولا عليك ، فدخلت وجلست بين يديه ، فإذا عيناه كشعلتي نار . ثم قال : يا بنيّ ، إنّ بعض الناس يشهدون عليّ بالكفر وبعضهم يشهدون لي بالولاية ، والذين يشهدون عليّ بالكفر أحبّ إليّ وإلى اللّه من الذين يقرّون لي بالولاية . فقلت : يا شيخ ولم ذلك ؟ فقال : لأنّ الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنّهم بي . والذين يشهدون عليّ بالكفر تعصّبا لدينهم ، ومن تعصّب لدينه أحبّ إلى اللّه ممّن أحسن الظنّ بأحد . ثم قال لي : وكيف أنت يا إبراهيم حين تراني وقد صلبت وقتلت وأحرقت ، وذلك أسعد يوم من أيّام عمري جميعه . ثم قال لي : لا تجلس ، واخرج في أمان اللّه . [ 4 ] وعن الشيخ إبراهيم بن عمران النيليّ أنه قال : سمعت الحلّاج يقول : النقطة أصل كلّ خطّ ، والخطّ كلّه نقط مجتمعة . فلا غنى للخطّ عن النقطة ، ولا للنقطة عن الخطّ . وكلّ خطّ مستقيم أو منحرف فهو متحرّك عن النقطة بعينها . وكلّ ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين . وهذا دليل على تجلّي الحقّ من كلّ ما يشاهد وترائيه عن كلّ ما يعاين . ومن هذا قلت : ما رأيت شيئا إلّا ورأيت اللّه فيه . [ 5 ] وعن ابن الحدّاد المصريّ قال : خرجت في ليلة مقمرة إلى قبر أحمد بن حنبل ، رحمه اللّه ، فرأيت هناك من بعيد رجلا قائما مستقبلا القبلة . فدنوت منه من