حسين بن منصور الحلاج
40
ديوان الحلاج
غير أن يعلم ، فإذا هو الحسين بن منصور وهو يبكي ويقول : يا من أسكرني بحبّه ، وحيّرني في ميادين قربه ، أنت المنفرد بالقدم ، والمتوحّد بالقيام على مقعد الصدق ، قيامك بالعدل لا بالاعتدال ، وبعدك بالعزل لا بالاعتزال ، وحضورك بالعالم لا بالانتقال ، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتحال . فلا شيء فوقك فيظلّك ، ولا شيء تحتك فيقلّك ، ولا أمامك شيء فيجدك ، ولا وراءك شيء فيدركك . أسألك بحرمة هذه التّرب المقبولة والمراتب المسؤولة ، أن لا تردّني إليّ بعد ما اختطفتني منّي ، ولا تريني نفسي بعد ما حجبتها عنّي ، وأكثر أعدائي في بلادك ، والقائمين لقتلي من عبادك . فلمّا أحسّ بي ، التفت وضحك في وجهي ، ورجع وقال لي : يا أبا الحسن ، هذا الذي أنا فيه أوّل مقام المريدين . فقلت تعجّبا : ما تقول يا شيخ ، إن كان هذا أوّل مقام المريدين فما مقام من هو فوق ذلك ؟ وقال : كذبت ، هو أوّل مقام المسلمين ، لا بل كذبت هو أوّل مقام الكافرين . ثم زعق ثلاث زعقات وسقط ، وسال الدم من حلقه . وأشار إليّ بكفّه أن أذهب ، فذهبت وتركته . فلمّا أصبحت رأيته في جامع المنصور فأخذ بيدي ومال بي إلى زاوية ، وقال : باللّه عليك لا تعلم أحدا بما رأيت منّي البارحة . [ 6 ] وعن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحلواني قال : خدمت الحلّاج عشر سنين ، وكنت من أقرب الناس إليه . ومن كثرة ما سمعت الناس يقعون فيه ويقولون إنّه زنديق ، توهّمت في نفسي فأخبرته . فقلت له يوما : يا شيخ أريد أن أعلم شيئا من مذهب الباطن . فقال : باطن الباطل أو باطن الحقّ ؟ فبقيت متفكرا ، فقال : أمّا باطن الحقّ فظاهره الشريعة ، ومن يحقّق في ظاهر الشريعة ينكشف له باطنها ، وباطنها المعرفة باللّه ؛ وأمّا باطن الباطل ، فباطنه أقبح من ظاهره ، وظاهره أشنع من باطنه فلا تشتغل به . يا بنيّ أذكر لك شيئا من تحقيقي في ظاهر الشريعة . ما تمذهبت بمذهب أحد من الأئمّة جملة وإنّما أخذت من كلّ مذهب أصعبه وأشدّه ، وأنا الآن على ذلك . وما صلّيت صلاة الفرض قطّ إلّا وقد اغتسلت أوّلا ، وتوضّأت لها . وها أنا ابن سبعين سنة ، وفي خمسين سنة صلّيت صلاة ألفي سنة ، كلّ صلاة قضاء لما قبلها .