حسين بن منصور الحلاج

38

ديوان الحلاج

فتقدّم أبو الحارث السيّاف ، فلطمه لطمة هشّم أنفه وسال الدم على شيبه . فصاح الشبليّ ومزّق ثوبه ، وغشي على أبي الحسين الواسطيّ وعلى جماعة من الفقراء المشهورين . وكادت الفتنة تهيج ، ففعل أصحاب الحرس ما فعلوا . [ 2 ] ذكر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحدّاد المصريّ قال : لمّا كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحلّاج ، قام واستقبل القبلة متوشّحا بردائه ، ورفع يديه ، وتكلّم بكلام كثير جاوز الحفظ . فكان ممّا حفظته منه أن قال : نحن بشواهدك نلوذ ، وبسنا عزّتك نستضيء ، لتبدي ما شئت من شأنك . وأنت الذي في السماء عرشك ، وأنت الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ « 1 » . تتجلّى كما تشاء مثل تجلّيك في مشيئتك كأحسن صورة ، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة والبرهان . ثم أو عزت إلى شاهدك الأنيّ في ذاتك الهويّ . كيف أنت إذا مثّلت بذاتي ، عند عقيب كرّاتي ودعوت إلى ذاتي بذاتي ، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي ، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتي ، عند القول من بريّاتي . إنّي أخذت ، وحبست ، وأحضرت ، وصلبت ، وقتلت ، وأحرقت واحتملت السافيات الذاريات أجزائي . وإنّ لذرّة من ينجوج مظانّ هاكول متجلّياتي أعظم من الراسيات . ثم أنشأ يقول : [ من البسيط ] أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها * فيما ورا الحيث يلقى شاهد القدم أنعى إليك قلوبا طالما هطلت * سحائب الوحي فيها أبحر الحكم أنعى إليك لسان الحقّ مذ زمن * أودى وتذكاره في الوهم كالعدم أنعى إليك بيانا تستكين له * أقوال كلّ فصيح مقول فهم أنعى إليك إشارات القلوب معا * لم يبق منهنّ إلّا دارس الرّمم أنعى وحقّك أخلاقا لطائفة * كانت مطاياهم من مكمد الكظم مضى الجميع فلا عين ولا أثر * مضيّ عاد وفقدان الألى إرم وخلفوا معشرا يجرون لبستهم * أعيا من البهم بل أعيا من النّعم

--> ( 1 ) الزخرف : 84 .