الشيخ أحمد فريد المزيدي

88

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وقال الشبلي : العارف سيار إلى اللّه عز وجل تعالى ، غير واقف . وسئل أي شيء أعجب ؟ قال : قلب عرف ربه ثم عصاه . وكان الشبلي ينوح يوما ويقول : مكر بك في إحسانه ، فتناسيت ، وأمهلك في غيك فتماديت ، وأسقطك من عينه ، فما دريت ولا باليت . وقال : ليت شعري ما اسمي عندك غدا يا علّام الغيوب ، وما أنت صانع في ذنوبي ، يا غفّار الذنوب ، وبم تختم عملي ، يا مقلب القلوب ؟ وكان الشبلي يقول في جوف الليل : قرة عيني وسرور قلبي ما الذي أسقطني من عينك ؟ ثم يصرخ ويبكي . وقال الشبلي : لا تأمن على نفسك ، وإن مشيت على الماء ، حتى تخرج من دار الغرة إلى دار الأمل . وقال الشبلي : إذا وجدت قلبك مع اللّه ، فاحذر من نفسك ، وإذا وجدت قلبك مع نفسك فاحذر من اللّه . وقال أحمد الحلقاني : سمعت الشبلي يقول : من عرف اللّه عز وجل لا يكون له غمّ . وقال : أحبك الخلق لنعمائك ، وأنا أحبك لبلائك . وكان الشبلي يقول : إن أردت أن تنظر إلى الدنيا بحذافيرها ، فانظر إلى مزبلة ، فهي الدنيا ، وإذا أردت أن تنظر إلى نفسك ، فخذ كفا من تراب ، فإنك منه خلقت ، وفيه تعود ، ومنه تخرج ، وإذا أردت أن تنظر ما أنت ، فانظر ماذا يخرج منك في دخولك الخلاء ؟ فمن كان حاله كذلك ، فلا يجوز أن يتطاول أو يتكبر على من هو مثله . وعن الحسين بن أحمد الهروي قال : سمعت أبا بكر الشبلي يقول : ليس للأعمى من رؤية الجوهرة إلا مسّها ، وليس للجاهل من اللّه إلا ذكره باللسان . وسأل جعفر بن نصير بكران الدينوري وكان يخدم الشبلي ما الذي رأيت منه يعني عند وفاته ؟ فقال : قال لي : علي درهم مظلمة ، تصدقت عن صاحبه بألوف ، فما على قلبي شغل أعظم منه ، ثم قال : وضئني للصلاة ، ففعلت ، فنسيت تخليل لحيته ، وقد أمسك على لسانه ، فقبض على يدي وأدخلها في لحيته ، ثم مات ، فبكى جعفر وقال : ما تقولون في رجل لم يفته في آخر عمره أدب من آداب الشريعة .