الشيخ أحمد فريد المزيدي

84

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

كلها استعمال الأولى ، فالأولى من العلم والتوكل كله طرح الكنف ، والرضا كله ترك الاعتراض ، والمحبة كلها إيثار المحبوب على الكل ، والعافية كلها إسقاط التكلف ، والصبر كله تلقي البلاء بالرحب ، والتفويض كله الطمأنينة عند الموارد ، واليقين كله ترك الشكوى عندما يضاد مرادك ، والثقة باللّه علمك أنه بك وبمصالحك أعلم منك بنفسك . وقال ابن الأعرابي : إن اللّه تعالى أعار بعض أخلاق أوليائه أعداءه ، ليستعطف بهم على أوليائه . وقال أبو سعيد : القلوب إذا أقبلت روحت بالأرفاق ، وإذا أدبرت ردت إلى المشاق . وقال أبو سعيد : من أصلح اللّه همته لا يتبعه بعد ذلك ركوب الأهوال ولا مباشرة الصعاب ، وعلا بعلو همته إلى أسنى المراتب ، وتنزه عن الدناءة أجمع . وكان يقول : اشتغالك بنفسك يقطعك عن عبادة ربك ، واشتغالك بهموم الدنيا يقطعك عن هموم الآخرة ، ولا عبد أعجز من عبد نسي فضل ربه ، وعدّ عليه تسبيحه وتكبيره ، الذي هو إلى الحياء منه أقرب من طلب ثواب عليه ، أو افتخار به . وكان أبو سعيد ابن الأعرابي بمكة يقول : ثبت الوعد والوعيد من اللّه تعالى ، فإن كان الوعد قبل الوعيد ، فالوعيد تهديد ، وإن كان الوعيد قبل الوعد ، فالوعيد منسوخ وإذا اجتمعا معا ، فالغلبة والثبات للوعد ، لأن الوعد حق العبد ، والوعيد حقه عز وجل والكريم يتغافل عن حقه ولا يهمل ويترك ما عليه . وقال ابن الأعرابي : إن اللّه تعالى جعل نعمته سببا لمعرفته ، وتوفيقه سببا لطاعته ، وعصمته سببا لاجتناب معصيته ، ورحمته سببا للتوبة ، والتوبة سببا لمغفرته ، والدنو منه . وقال أبو سعيد : إن اللّه تعالى خلق ابن آدم من الغفلة ، وركّب فيه الشهوة والنسيان ، فهو كله غفلة ، إلا أن يرحم اللّه عبدا ، فينبهه وأقرب الناس إلى التوفيق من عرف نفسه بالعجز والذل والضعف وقلة الحيلة مع التواضع للّه ، وقلّ من ادعى في أمره قوة إلا خذل ووكل إلى قوته . وكان يقول : مدارج العلوم بالوسائط ، ومدارج الحقائق بالمكاشفة .