الشيخ أحمد فريد المزيدي
356
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
واعلم يا أخي أن للّه ضنائن من خلقه ، أودع قلوبهم المصون من سرّه ، وكشف لهم عن عظيم أثرهم به من أسره . فهم بما استودعهم من ذلك حافظون ، وبجليل قدر ما أمّنهم عليه علماء عارفون . قد فتح لما اختصّهم به من ذلك أذهانهم ، وقرّب من المحل الأعلى بالإدناء إلى مكين الإيواء حبّهم ، وأفرد بخالص ذكره قلوبهم . فهم في أقرب أماكن الزلفى لديه ، وفي أرفع مواطن المقبلين به عليه . أولئك الذين إذا نطقوا فعنه يقولون ، وإذا سكتوا فبوقار العلم به يصمتون ، وإذا حكموا فبحكمه لهم يحكمون . جعلنا اللّه يا أخي ممن فضّله بالعلم ، ومكنه بالمعرفة ، وخصّه بالرفعة ، واستعمله بأكمل الطاعة ، وجمع له خيري الدنيا والآخرة . * * * رسالة الجنيد إلى أبي بكر الكسائي « 1 » أخي أين محلك عند تعطيل العشار ؟ وأين دارك وقد خرجت الديار ؟ وأين منزلك والمنازل قاع صفصف قفار ؟ وأين مكانك والأماكن عواف دوارس الآثار ؟ وماذا خبرك عند ذهاب جوامع الأخبار ؟ وفيم نظرك عند اصطلام محاضر النظّار ؟ وفيم فكرك وليس بحين نظر ولا افتكار ؟ وكيف هدوؤك على ممر الليل والنهار ؟ وكيف حذرك عند وقوع فواجع الأقدار ؟ وكيف صبرك ولا سبيل إلى عزاء ولا اصطبار ؟ . فابك الآن إن وجدت سبيلا إلى البكاء ، بكاء الوالهة الحزينة الموجعة الثكلى ، بفقد أعزّة الآلاف ، وفناء أجلّة الأخلاف ، وإبادة ما مضى من الاكتناف ، وذهاب مشايخ الاعتطاف ، وورود بداية الاختطاف ، وروادف عواصف الارتجاف ، وتتابع قواصف الانتساف ، وبواهر قواهر الاعتكاف ، وثواقب ملامح الاعتراف . فإلى أين موئلك ، وإلى ما يبلغ مصدرك ، والأحلام متمزقة ، والقلوب متصدّعة ، والعقول منخلعة ، والأنباء كلها مرتفعة ، وأنت في أوابد مندمسة ونجوم منطمسة ، وسبل ملتبسة ؟ قد أضلك في اختلاف مناهجها ظلماؤها ، وانطبقت عليك أرضها وسماءها ، ثم أفضى بك ذلك إلى لجّة اللجج ، والبحر الزاخر الغامر المختلع ، الذي كل بحر دونه أو لجة
--> ( 1 ) النص من اللمع ( ص 311 ) .