الشيخ أحمد فريد المزيدي
357
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
فهو فيه كتفلة أو مجّة ، فقد قذف بك في كثيف أمواجه ، وتلاطم عليك بعظيم هوله وارتجاجه . فمن مستنقذك من متلفات المهالك ، أو مخرجك مما هنالك ؟ كتابي إليك أبا بكر ، وأنا أحمد اللّه حمدا كثيرا ، وأساله العفو والعافية في الدنيا والآخرة . وصل إليّ منك كتب فهمت ما ذكرت فيها ، ولم يمنعني من إجابتك عليها ما وقع في وهمك ، وشقّ عليّ ما ذكرت من غمك . وليس حالك عندي حال معتوب عليه ، بل حالك عندي حال معطوف عليه ، وبحسبك من بلائك أن أكون سببا للزيادة في البلاء عليك ، وإني عليك لمشفق . وإنما منعني من مكاتبتك ، لأني حذرت أن يخرج ما في كتابي إليك إلى غيرك بغير علمك . وذلك أني كتبت منذ مدة كتابا إلى أقوام من أهل أصبهان ، ففتح كتابي ، وأخذت نسخته ، استعجم بعض ما فيه عليّ قوم ، فأتعبني تخلصهم ، ولزمني من ذلك مؤنة عليهم . وبالخلق حاجة إلى الرفق ، وليس من الرفق بالخلق ملاقاتهم بما لا يعرفون ، ولا مخاطبتهم بما لا يفهمون ، وربما وقع ذلك من غير قصد إليه ، ولا تعمّد له ، جعل اللّه عليك واقية وجنّة ، وسلمنا وإياك . فعليك رحمك اللّه بضبط لسانك ، ومعرفة أهل زمانك ، وخاطب الناس بما يعرفون ، ودعهم مما لا يعرفون ، فقلّ من جهل شيئا إلا عاداه . وإنما الناس كالإبل ، المائة ليس فيها راحلة . وقد جعل اللّه تعالى العلماء والحكماء رحمة من رحمته ، وبسطها على عباده . فاعمل على أن تكون رحمة على غيرك ، وإن كان اللّه قد جعلك بلاء على نفسك . واخرج إلى الخلق من حالك بأحوالهم ، وخاطبهم من قبلك على حسب مواضعهم ، فذلك أبلغ لك ولهم ، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته . * * * رسالة الجنيد إلى بعض إخوانه « 1 » لا زلت أيّها الموجود بباب اللّه راتبا ، وبه منه إليه لما يحبّه طالبا ، وله في آلائه وغريب أنبائه راغبا . فحبّك به عليه فيما يحبّه لك ويبلّغك إليه ، باصطفائه إلى ما يريده منك ، ليصطفيك فيما يولّيك ، بما ينتخبه لك ويجتبيك . ثم يبديك فيما يولّيك ، ويخفيك في عزيز ما يبديك إعلاء لك عن مصادفة النواظر لحقيقتك ، وضنّا بك عن معرفة القلوب
--> ( 1 ) النص من طبقات السلمي ( ص 162 ) ، والحلية ( 10 / 278 ) .