الشيخ أحمد فريد المزيدي
353
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
من الجنيد إلى أبي العباس الدينوري « 1 » من استخلصه الحق بمفرد ذكره وصافاه يكون له وليا منتخبا مكرما مواصلا ، يورثه غرائب الأنباء ويزيده في التقريب زلفى ، ويثبته في محاضر النجوى ، ويصطنعه للخلّة والاصطفاء ويرفعه إلى الغاية القصوى ، ويبلغه في الرفعة إلى منتهى ، ويشرف به ذروة الذرى ، على مواطن الرشد والهدى ، وعلى درجات البررة الأتقياء ، وعلى منازل الصفوة والأولياء . فيكون كله منتظما ، وعليه بالتمكين محتويا ، وبأنبائه خبيرا عالما . وعليه بالقوة والاستظهار حاكما ، وبإرشاد الطالبين له إليه قائما ، وعليهم بالفوائد والعوائد والمنافع دائما ، ولما نصب له الأئمة من الرعاية لديه به لازما . وذلك إمام الهداة السفراء ، والعظماء الأجلّة الكبراء ، الذين جعلهم للدين عمدا ، وللأرض أوتادا . جعلنا اللّه وإيّاك من أرفعهم لديه قدرا ، وأعظمهم في محل عزّه أمرا ؛ إن ربّي قريب سميع . * * * رسالة الجنيد إلى بعض إخوانه « 2 » الحمد للّه الذي استخلص لنفسه صفوة من خلقه ، وخصّهم بالعلم والمعرفة به ، فاستعملهم بأحب الأعمال إليه ، وأقربها من الزلفى لديه ، وبلّغهم من ذلك الغاية القصوى والذّروة المتناهية العليا ، وبعد : فإني أوصيك بترك الالتفات إلى كلّ حال ماضية ؛ فإن الالتفات إلى ما مضى شغل عمّا يأتي من الحالة الكائنة . وأوصيك بترك الملاحظة للحال الكائنة ، وبترك المنازلة لها ، بجولان الهمّة لملتقى المستقبل من الوقت الوارد بذكر مورده ، ونسق ذكر موجوده . فإنّك إذا كنت هكذا ، كنت تذكر من هو أولى ، ولا تضرّك رؤية الأشياء . وأوصيك بتجريد الهم ، وتفريد الذكر ، ومخالصة الرب بذلك كله . واعمل على تخليص همّك من همّك لهمّك ، واطلب الخالص من ذكر اللّه جلّ ثناؤه بقلبك ، وكن حيث يراك لما يراد لك ، ولا تكن حيث يراد لك لما تريد لنفسك . واعمل على محو شاهدك من شاهدك ، حتى يكون الشاهد عليك شاهدا لك بما خلص
--> ( 1 ) النص من الحلية ( 10 / 265 ) . ( 2 ) النص من الحلية ( 10 / 279 ) .