الشيخ أحمد فريد المزيدي
349
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
رسالة الجنيد إلى أبي يعقوب يوسف بن الحسين الرازي « 1 » كشف الحقّ لك عن حقيقة أنبائه ، وتولاك بعظيم مننه وآلائه ، وتضمّنك في ضمه إياك إلى سوابغ نعمائه ، وجرت النعم عليك برفعه لك إليه وإعلائه لك ، فكنت بحيث لا تكون لك إليه سببا ، بل تكون بما يوجد به منك منتسبا . قد أخلصك بما اصطفاك له من خلصاء صفوته ، وأوحدك بالانتحال ممن خصّه بولايته وتخيّرك بالاجتباء من كبراء أهل مودته ، والذين آثرهم بالاصطفاء لعظيم خلّته . فكانت أوائل أقدامهم كبراء أهل المودة المصطفين للخلّة المجردة لديه ، الموضوعة على مناهج الورود عليه ، والنزوع عمّا دونه إليه ، فسبقت إليه به كل سابق ، وسمت إليه وحده عن سنيّات المطالب ، على أنوار فواتح البذل ، تخرّ الأنوار عليهم خريرا ، وتدرّ بمنائح الفضال عليهم درورا ، بسكب غيث هاطل منهمل ، ومدرار غلف بغرائب البر متصل ، يذهل ببوادي وروده عقول من لاحظه به ، ويبهر بأوائل شهوده من أراده له . فإلى أين ، وبماذا يتخطى ذلك قلوب المكرمين به ، وكيف ، وأنى تتحاماه عقول المصادفين له ؟ ! وذلك لا يكون بفعل مكون وإن كان مكرما ، ولا ينفذ عنه بتخطيه سر ولي وإن كان ممكنا ، ولن يحمل ذلك عن أهل مجالسه وأنسه إلا الحامل بقوته وقدرته حملة عرشه ، فهو تعالى ولي المحاماة عمن اصطنعه لنفسه . فعند ذلك إذا أراد تعالى ذلك دعا الخلق إلى إخلاص ذكره ، وأقبل بمن تفرد به عليه ، واوى بمن استأثر بمكنون سره إليه ، فكان ما جمعه لأهل الزلفى لديه والمقربين عنده لهم تبعا ، وسائر أوليائه فيما عاطفوا من ذلك شيعا . لهم منه ما بذله من عظيم عطائه ، وجاد به من جليل مننه وآلائه ، فذلك حظهم المبذول ، وعطاؤهم الدائم الموصول . وذلك كله على عظيم قدره وجليل ما خصهم اللّه تعالى به من نفيس بره ، حجاب عما أخلص به المنفردين بخالص ذكره ، مع حقيقة وجود ذلك ، والكون بالنزول فيما هنالك يبدو أوائل علم من تفرّد به ، وأراده بالاختصاص لما يوجد له . ولن يصلح لمعاينة ذلك عين بقيت عليها منها بقية ، ولن يلامح ذلك طرف مواقع لرزيّة ، جعلنا اللّه وإياك يا أخي ممن اصطنعه لنفسه ، واستأثر به عمن دونه كتابي إليك يا أخي ، وسبل الحق مسهلة المناهج ، وطرق الرشد زاهرة قد وطئت بالتمهيد لأقدام
--> ( 1 ) من نشرة عبد القادر عن المخطوط رقم ( 227 ) .