الشيخ أحمد فريد المزيدي

350

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

السالكين ، وفسحت بالتوسعة لسير الطالبين ، وزينت ببهجات الأنوار لقلوب الراغبين ، وهو مع ذلك لقلة القاصدين إليها ، ولقلة السائرين بالصدق عليها ، كالعشار المتعطلة ، والمواطن القفار الخربة ، ليس لها على ما عظم اللّه من قدرها ، ووعد من جزيل الثواب على سلوكها ، من أكثر الناس عامر ، ولا في عظيم خطرها من الخلق راغب . وإني أرى العلم ، مع كثرة منتحليه وانتشار طالبيه بقلة صدقهم في قصده ، وتركهم العمل بواجب حقه ، كالعازب المتغرب البعيد المنفرد ، ورأى الجهل والدعاوي على كثير من الناس غالبا ، وقلة العلم للمنتحلين للعمل بينة . وأرى هموم أكثر الخليقة على الدنيا عاكفة ، ولما تعجل من حطامها طالبة ، ولقليل ما تعجل منها مؤثرة ، وقد انكفّت العقول والقلوب بالانكباب على طلبها ، وانصرفت إلى الرغبة في القليل منها . وأراهم بسوء المراد ، وكثرة الفساد ، وقلة العمل للمعاد ، في غمرة سكرتها ، وحيرة هوالك ما استولى عليهم منها ، ليس فيهم لغلبة ذلك عليهم مفيق ، ولا راجع إليك إن وعظته بتحقيق ، قد اشتملت عليهم الفتنة بالعاجلة فتحيرت عقولهم عن أمور الآجلة . والخلق يا أخي إذا كانوا كذلك أشد الحاجة إلى عالم رفيق ، ومؤدّب مناصح شفيق ، وواعظ يدلهم على الطريق ، وأنت يا أخي رضي اللّه عنك بقية ممن مضى ، وأحد يشار إليه من العلماء ، وجليل من أكابر الحكماء . وقد علمت رضي اللّه عنك أن اللّه عزّ وجلّ قد أخذ الميثاق على أهل معرفته ، وأولى العلم به الذين آثرهم بكتابه ، وفتح لهم في الفهم عنه ، وخصهم بما استخلصهم به من تبيان ، وقلدهم من عظيم أماناته ، أن يبينوه للناس ولا يكتموه ، وقال جلّ ثناؤه : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] ، وقال جلّ ثناؤه : وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [ المائدة : 44 ] ، وقال جل ثناؤه : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ [ المائدة : 63 ] . وأنت يا أخي أحد من بقي ممن قلّد من ذلك ما قلدوه ، وعرف من أبناء الحكم بعض ما عرفوه . وعليك عندي تبيان ما وهبه اللّه جل ثناؤه لك ، والقول بعظيم ما أنعم به عليك . فاعدل رضي اللّه عنك إلى المريدين بهمك ، وأقبل عليهم بوجهك ، وانصرف إليهم بحجتك ، واعطف عليهم بفضلك ، وأثّر على غيرهم بدلالتك ، وجميل دعايتك ، وابذل لهم منافعهم من علمك ومكين معرفتك ، وكن معهم في ليلك ، ونهارك ، وخصهم بما عاد به