الشيخ أحمد فريد المزيدي

348

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

يا أخي كيف أنت في ترك مواصلة من عرّضك للتقصير ، ودعاك إلى النقص والفتور ، وكيف ينبغي أن تكون مباينتك له وهجرانك ، وكيف إعراض سرّك ونبوّ قلبك وعزوف ضميرك عنه . حقيق عليك على ما وهبه اللّه لك ، وخصك به من العلم الجليل والمنزل الشريف أن تكون عن المقبلين على الدّنيا معرضا ، وأن تكون لهم بسرّك وجهرك قاليا ، وأن تكون لهم في بلائهم إلى اللّه شافعا ، فذلك بعض حقك لك . وحريّ بك أن تكون للمذنبين ذائدا ، وأن تكون لهم بفهم الخطاب على اللّه رائدا وفي استنقاذهم وافدا ، فتلك حقائق العلماء ، وأماكن الحكماء ، وأحب الخلق إلى اللّه انفعهم لعياله ، وأعمهم نفعا لجملة خلقه . جعلنا اللّه وإياك من أخص من أخصه بالإخلاص إليه ، وأقربهم في محل الزلفى لديه . أيحسن بالعاقل اللبيب ، والفهم الأديب ، الطالب المطلوب المحب المحبوب ، المكلأ المعلم ، المزلّف المقرّب ، المجالس المؤانس ، أن يعير الدنيا طرفة ، أو يوافقها بلحظة ؟ ! وقد سمع سيده ومولاه وهو يقول لأجلّ أصفيائه وسيد رسله وأنبيائه : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [ طه : 131 ] ، أفشاهد أنت لفهم الخطاب ، وإمكان ردّ الجواب ؟ فترك حظه من اللّه مما فاته ، ومصافاته ومكافأته ، ومكانه منه وموالاته ، أن يوادّ من لا يوادّه أو يألف من لا يوافقه . غضّ يا أخي بصر سرّك ، وبصيرة قلبك عن الإيماء إلى النظر إليهم ، دون المواصلة لهم ، وصن بالمضمون من ضميرك عن أن يكون بالقوم مؤالف . فواللّه لا والى اللّه من يحادّه ، ولا أقبل على من يبغضه ، ولا عظّم من يعظم ما صغره وقلله إلا أن ينزع عن ذلك . فكن من ذلك على يقين ، وكن لأماكن من أعرض عن الحق مستهينا . وبعد يا أخي فتفضل باحتمالي إن غلظ عليك مقالي ، وتجشم الصبر على أن يوافق قلبك ما في كتابي ، فإن المناصحة والمفاصحة خير من الإغضاء عن المتاركة ، وإني أختم كتابي واستدعي جوابي بقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [ الأعراف : 43 ] . وصلّى اللّه على سيدنا محمّد المصطفى وعلى آله وسلّم تسليما كثيرا .