الشيخ أحمد فريد المزيدي

345

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

اللّه عز وجل رحمة لعباده ، وبركة على من شاء من بريته يعلم بهم الجاهل ، ويذكر بهم الغافل ، ويرشد بهم السائل ، ويعطي بهم النائل ، ويزيد بهم العامل ، ويبلغ بهم إلى المحل الفاضل ، ويحث بهم الراحل ، ويمكن بهم القوي الكامل . أولئك الذين عمّروا بالذكر للّه تعالى أعمارهم ، وقطعوا بالعمل الفاضل الذكي آجالهم ، وبقوا بذلك للخليقة محمودة آثارهم ، ووضحت للبرية ضياء أنوارهم ، فمن اقتبس من سنا نورهم استضاء ، ومن قفا على آثارهم اهتدى ، ومن اتبع سير ما هم عليه سعد ، ولم يشق . أحياهم اللّه تعالى حياة دائمة ويتوفاهم وفاة سالمة . وأنسوا بما قدموا به إلى الآخرة ، جعل اللّه خواتم أمورهم أفضلها ، وأحوالهم التي قبضوا عليها أجملها . وبعد ، أيها السائل عن نعت المحققين ، من العلماء العاملين بالعلم في مدة البقاء ، فقد وصفت لك بعض أحوالهم ، ونعت لك كثيرا من جميل أفعالهم ، ولو أردت بلوغ الاستقصاء لوصفهم ، وذكر ما يستحقونه من نعتهم ، لطال بذلك كتابي ، واتسع به جوابي ، وفيما أجرى اللّه تعالى ذكره من ذلك كفاية لمن اهتدى ، وبلاغا لمن عمل بما هو أولى . قال العالم للحكيم : أيها الأستاذ العطوف الرحيم ، والمعلم الناصح الحكيم لقد أزعجت بوصفك للقوم قلبي ، وملأت بالخيفة صدري ، وعرفت بذلك موضعي وقدري ، وخفت أن يعجز عن حمل ما عرفته صبري ، لما بينته من شدة تقصيري ، ودوام تخلفي ، فاحتقرت عند المعرفة نفسي ، وأيقنت بليتي ونقصي . فكيف لي بما أكون به من ذل التخلف خارجا ، وعن مذموم أخلاق نفس راحلا وفي أوائل طريق القوم داخلا ، فإني أرى الوقوف عن ذلك مأثما ، والبقاء مع الحال التي أنا عليها مغرما . قال له الحكيم : لقد سألت عن شأن عظيم ، وأمر عال جسيم ، يسهل على العالمين بفضله ، وركوب الأهوال في طلبه ، وحمل الأثقال ، والتغرّب من الأوطان ، والخروج عن الأموال ، وقلّ من قويت فيما عند اللّه تعالى رغبته ، وإلا سهل عليه بذل بدنه ومهجته ، ولم يعظم عليه شيء في بلوغ بغيته . فكن أيها السائل عن منازل النجباء ، ودرجات العلماء ، وأحوال الأئمة العظماء ، المقفين على آثار الأنبياء ، على ترك لكل سبب عن منهاج القوم يعطفك عن سبيل الهداية والرشد ويمنعك . فكن إلى اللّه تعالى راغبا فيما إليه يرفعك ، واعلم أن ملاحظتك بالرغبة إلى ما قل من الدنيا أو كثر ، حجاب لك عن