الشيخ أحمد فريد المزيدي
346
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
الآخرة ، وعلة على ملامحتك في حين نفاذ البصيرة . فنح عن ملاحظة الضمير ما يورثك رؤيته النقص والتقصير ، وصف الضمائر ، وطهر السرائر ، بتجريد الاعتزام ، وإجمام الاهتمام ، تفردا منك بما له قصدت ، وفي إدراكه رغبت ، فإن في إصلاحك لما بطن من سرك ، إحكام لما علن وظهر من جهرك . فإيّاك أن تميل إلى شيء وإن قل خطره ، فيميل بك عن محمود وضح لك أمره . فإن أغبن الغبناء من باع كثير ما يبقى ، بقليل ما يفنى ، ومن شغل نفسه عن أمور الآخرة بأمور الدنيا . واجعل أيها الرجل الطالب لفضل الأحوال والمذاهب ، وأول ما تبدأ من عملك ، وتقرب بفعله إلى ربك ، الزهد في الدنيا ، والإعراض عن كل ما مالت إليه النفس من قليل أو كثير . فإن قليل ما ملت له إليها ، يأخذ من سرك ، ويشغل من قلبك ويعترض على ذكرك . وعلى قدر قوة ما معك من مواد القليل منها وضعفه ، كذلك تكون قوة المعترض منه وضعفه ، وعلى حسب الواقع من ذلك يحتجب عنك فهم ما قصدت الهمة ، وإنما تؤثر الأعمال وتحصن القلوب ، إذا انقطعت عوارض الدنيا عنها ، فإذا اعترض منها شيء وإن قل ، فهو المراد والعمل معا ، وكان ذلك يبعد المحاضر والأفهام ، ويوقف الحال عن لحوق الاستتمام . فاحذر ما عاطفك منها ، ومال بك وإن قل قدره إليها ، تخلص بتخلصك من ذلك إلى سوي الحال والفعل والمقال . فقال له العالم : وضعت لنصحك خدي ، وجمعت له همي ، وفرغت له قلبي وتبينت فيه رشدي ، وقد أملت برشد هدايتك ، وحقيقة دعايتك ، وصدق مناصحتك ، أن يبلغني اللّه تعالى إلى كل ما أؤمله وغاية ما أطلبه . وقد رأيت ينابيع الحكمة الجارية من مكنون سرك على لسانك ، واصلة إلي ببعض ما تقصدني به وقد ذقت سائغا من مائه ، فأوجدني انتعاش تبينه محبة نفعك لي به ، فزدني منه ما تقوي به الحياة الباعثة لي ، من موت ما مضى من الحال ، إلى مستقبل ما وقع من الانتقال ، فإني لم أجد شيئا أرجع به فيك إلى اللّه تعالى ، إلا مناجاتي له بجميل مجازاتك عني ، ومكافأته لك بما هو له أهل وأولى . وبعد إيقاظك لي أيها الحكيم من رقدة الغفلة ، وإنباهك لي من وسن السهو والسنة فقد وجدت استقلالا إلى استدراك الفهم عنك ، يحملني ما وجدت منه إلى العمل ببعضه ، ووجدت مطالعات ما بقي على من التقصير ، يزجرني عن الوقوف عنها لمحكم بيان وعلم إيقان . فإما ما بين ما سنح من تيسير اللّه تعالى للعلم ، وبين ما نبه العلم عليه من النهوض إلى ما بقي . . . . * * *