الشيخ أحمد فريد المزيدي

344

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

ما قل وصفا ، ويجزيه ما سلم واستوى . يقف منها عند الشبهات وينصرف عن الأمور المشكلات بل هو للحلال البين تارك ، وفي الأخذ لم لا بد له منه مقتصد . قد آثر فيها وفي كل ما دعي إليه الزهادة ، ولزوم الكد والعبادة . يرحم من مال برغبته إليها ويرثى لمن أقبل بطلبه عليها لا يراها حظّا لمن طلبها ، ولا ثمنا لسعي من اشتعل بها ، ينظر إليها بعين زوالها ، وبقرب انتقالها . فهذا محل الدنيا عنده ، ومكانها في العلم بها لديه . وهو مع ما وصفته لك دائم العزلة ، كثير الخلوة ، متصل الجد والخدمة . يجد راحة قلبه ، وقرة عينه ، وسرور فؤاده ، فيما خلص من صالح العمل على سيده ، وأمل عائدة ثوابه في معاده . فإذا ظهر للناس في وقت اجتماعهم عليه ، وطلبهم للعلم العتيد لديه ، ظهر بجميل النية وصحيح الإرادة . فكان ذلك عنده بعض الأعمال المقربة الصالحة ، فهو لا يخلو من حال هو بها في الخلوة متعبدا ، وإلى اللّه تعالى فيما يقرب إليه مجتهدا ، ومن حاله أن تكون قد حضرته النية . ويبرز للخلق فيكون لعلمه ناشرا ، ولهم مما علمه اللّه تعالى معلما . والوجل والخوف من اللّه عز وجلّ في أحواله ، والحذر والإشفاق دائما لا يفارقه ، يقوم بشرائط علمه ، ويعدل في قوله وحكمه . هو من أقوم الناس بالأحكام ، وأعلمهم بالحلال والحرام ، وأبصرهم بشرائع الإسلام . يقع على آثار المرسلين ، ويتبع سنن الأنبياء والصالحين . لا يميل إلى بدعة ، ولا يقصر عن الأخذ بالسنة ، بعلم بارع محكم قويّ ، وحال واضح بيّن مستو متوسط بجميع المذاهب ، متحرّ لأقوم الآراء ، لا يميل إلى الكلام ، ولا يخطر به منه اهتمام ، لا يطعن على الأئمة ولا يذمها ، ويجب لها من الصلاح ما يعمها . يرى السمع والطاعة ، ولا ينزع يدا من جماعة يرى أن الخروج على الأئمة من فعل الجهلة الفاسقين ، والغواة المارقين ، والذين يريدون الفتن ، ويبتغون الفساد في الأرض . أولئك العداة والفساق ، والظلمة المرّاق ، الذين سلكوا غير سبيل الهدى ، واستصحبوا الغواية والردى ، ومالوا بالفتنة إلى الدنيا ، وقد رفع اللّه عز وجل عن ذلك أقدار العلماء ، وجعلهم أئمة هداة نصحاء أخيارا أبرارا أتقياء ، خلصاء سعداء نجباء ، وسادة أجلة عظماء ، حلماء كرماء أولياء جعلهم اللّه أعلاما من الحق منشورة ومنارا للهدى منصوبة ، ومناهج للبرية مضروبة . أولئك علماء المسلمين ، وأمناء المؤمنين ، وأجلة المتقين . فبهم في نوائب الدين يقتدى ، وبنورهم في ظلمات الجهل يهتدى ، وبضياء علمهم في الظلماء يستضاء . جعلهم