الشيخ أحمد فريد المزيدي

343

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

ألسنتهم بحمد ربهم عند سماع العلم ناطقة ، وقولهم إلى اعتقاد العمل به مبادرة ، وآذانهم بحسن الإصغاء إليه سامعة وأبدانهم بالخدمة للّه تعالى ساعية ، أحسنوا على جميل السيرة جمعه ، وبالوفاء بفضل اللّه تعالى عليهم فهمه ، ولم يزالوا بدوام السعي إليه ، وشدة الإقبال عليه ، وبكثرة اللزوم لمن العلم حاضر لديه ، حتى أخذوا منه بالخط الأوفر والنصيب الأكبر ، فلما بلغوا منه إلى ما به يستعينون ، وغاية ما إليه يحتاجون ، وبحقائقه في سائر الأوقات يعملون ، رجعوا إلى تفتيش ما كتبوا ، وإلى البحث عما منه طلبوا ، فكان ذلك مانعا لهم من السعاية ، جامعا لهم إلى الخلوة بالعبادة . ووقفت بالناس إليهم الحاجة ، وعرف موضعهم بحمل الإرادة ، وعرفت أماكنهم من العلم ، وشرفت أحوالهم من الفضل ، وانبسط ذلك ونشأ ، وظهر ذلك وبدا . فمن بين خال بعلمه ، متشاغل عن الخليقة بعبادته ، مؤثر للعمل فيما فتح اللّه تعالى عليه منه ، ولا يريد بإدامة الخدمة للّه تعالى بدلا ، ولا بالخلوة بما فتح اللّه تعالى له من ذلك حولا . ومن بين من حضرته في نشره العلم النية ، وقويت له على تعليمه العزيمة ، وسنحت له في ذلك رؤية الفضيلة ، فانبسط في نشر العلم محتسبا ، وكان في العمل من اللّه تعالى بذلك مخلصا ، يرغب إلى اللّه عز وجل في جميل الثواب ويؤمل من اللّه تعالى جميل العائدة في المآب ، مصحوبا في ذلك بمصادفة الصواب . إذا قال ، نطق بقوة العلم . وإذا سكت ، سكت بوقار الحلم . وإذا قصد إلى البيان ، قرب منال الفهم . وإذا كثروا عليه أحب نفعهم ، وإذا تفرقوا عنه نصحهم يؤدي إليهم ما حمل من العلم بلسان فصيح وبيان صحيح ، بقلب نصوح وقول صدوق ، ولا يعجل على من جهل ، ولا يكافئ من زل وأخطأ ، ولا يوافق بالمراءاة أحدا . يعفو عمن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويحسن من أساء إليه ويتجاوز عمن يتعدى عليه ، ولا يريد على شيء من أعماله من الخلق أجرا ، ولا يميل إلى مدحة ولا ثناء ، يجتهد للّه تعالى في إخلاص أعماله ، ويريد وجهه بجميل أفعاله . لا يقبل الدنيا ممن يبذلها له ، ولا يعارج على من انبسط بها إليه . يضع الدنيا حيث وضعها خالقه ، ويغنيه منها ما قسمه له رازقه . لا يشغل منها بما يزول ، ولا يعمل فيها بما لا يدوم . منصرف بقلبه عن زينتها ، منحرف عن كل ما دعي إليه من بهجة رونقها . يكفيه