الشيخ أحمد فريد المزيدي

342

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

الترحيل ، وبلغه المنزل الفضيل ، ومنحه الحظ الجزيل . وإني أؤملك من الذي عرضك لنجاح السؤال ، وصحيح القصد في المقال ، أن يبلغك بفضله عليك ورحمته إياك منازل المنتجين من أوليائه والأصفياء المستخلصين من عباده . وأنا واصف لك إن شاء اللّه تعالى ما سألت عنه من نعت أهل الحقائق من أهل العلم ، العاملين به ، والصادقين في القصد إليه ، المجتهدين في إقامة حقه ، المريدين للعلم لما وجب عليهم منه ، الذين لم تفتنهم فيما قصدوه أطماع الدنيا ، ولم تمل بهم عن الأخذ بحقيق ، ولم يستفزهم الغواة من الأعداء ، أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ المجادلة : 22 ] . اعلم أن أول ما أوتي المحققين من أهل العلم من العمل في أول الطلب إصلاح النية ، وصحة المراد ، والموافقة فيه للنفوس فيما بدا من إرادة الطلب ، فلم يبيحوا أقدامهم السعي ولم يتحركوا في ذلك بالجوارح ، إلا من بعد ما أحكم جميل النظر لهم بالانبساط فيه فسعوا فيه على أصل ما أدبهم العلم به في أول الأمر ، ومضوا على صحبة الحال وشهادة العلم بذلك . وألزم صحة ما يبدو به الحق قلوبهم المحققين من أهل العلم ، والإشفاق والحذر والتقية . فضمهم وجود ذلك ، وألزمهم حصر الجوارح وضبط السرائر ودوام الصمت ، وخافوا مع ذلك أن يكونوا قد قصروا عن واجب حق السعي في طلب العلم ، واشتد تحصيلهم على النفوس ، وصحبتهم جميل الذكر ، ودوام الفكر في مواطن السعي ، فحماهم ذلك عن الانبساط عن معاشرة الطالبين له ، والساعين معهم فيه ، فكانوا بحال والحاضرين معهم بحال ، كلما بدا من غيرهم لغو أعرضوا ، وكلما بدا من سواهم غفلة أو لعب خافوا وحذروا ، وكلما ظهر لهم من غيرهم مزعج يجري إلى تأكيد حالهم ، وتشديد ضبطهم لما عليهم يدعون لمن حضرهم بالسلامة ، ويحبون لهم الصلاح والاستقامة . لا يؤذون الناس ، ولا يحقرونهم ، ولا يغتابونهم ، ولا يذمونهم ، بل يشفقون عليهم إذا رأوا منهم الزلل ، ويدعون لهم إذا بدا منهم الخلل ، يعرفون المنكر وينكرونه ويتجنبونه ، ويعرفون المعروف ويحبونه ويستعملونه ، ولا يزدرون المقصرين لكثرة وجوده ، ولا يغمصون من دونهم لما به من حالهم حمدوه ، بل يعرفون ذلك بدلالة العلم عليه ، ولا يخفى عليهم من القوم ما نسبهم الحق إليه . فصواب ذلك وخطؤه لهم بالعلم مميز ، والسلامة من رؤية مكروه ذلك لهم صاحب ، وفيها ألزمهم الإشفاق والتقوى شاغل ، ولهم على طلب العلم مقبل .