الشيخ أحمد فريد المزيدي

335

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

بل جعلك اللّه نورا يملأ بسنا ضيائه الخافقين ، ويلوح مضيئا طالعا على سائر الثقلين ، فينال عند ذلك كل فريق منهم حظه الكامل ، ويصل إلى مراده الشامل الفاضل ، حتى تكون هذه الظواهر أموره التي ألبسها ، وبوادي أحواله التي أريد بها ، وقد نظر فيها فوقفت به الضنة عن ظهوره ، وتضمنه الصون والحجبة والكتم عن حضوره . وذلك سر تضل العقول عن الإشارة إليه ، وتنقطع الفهوم عن شيء من الورود عليه . هيهات ، هيهات ، طمست عن ذلك أطواق كوامل العلماء ، وضلت عنه مقاليد أكابر الفهماء . فهو في تفرد توحده عليّ ، ويعزل قيوميته تجرّده ، فكم من مومئ إليه بتوهمه ، ومن مظهر التحقق به بالطيب عنده ، أن يعرض لينطق به وتلجلج لسانه ، وتحيّر عند الإيماء إلى بيانه . ويظن الجاهل إذا سمعه أنه قد أصاب ، وهو في عمياء مظلمة عند الخطاب ويكون في دعواه وحقيقة الحق تدفعه ، ويوهم بوصفه السامع في القصد إلى ما يقع الفهم به في النفاذ فيما أمر به ، والترك لما نهي عنه ، وذلك بعض حق العلم على من حمله . فمتى اقتضيت لنفسك يقع العلم له قبل إعطائك منها حقّ ما للعلم واجب ، احتجب عنك نفعه ونوره ، وبقي عليك رسمه وظهوره وذلك حجة للعلم عليك وإن كان رسمه ظاهرا لديك . فاحذر أيها الرجل الذي قد لبس من العلم ظاهر حليته ، وأومأ المشيرون إليه بجميل لبسته ، وقصر عن العمل بمحض حقيقته ما وقعت به الإشارة إليك ، وانبسطت به الألسن من الثناء عليك ، فإن ذلك حتف لمن هذه الصفة صفته ، وحجة من اللّه تعالى عليه في عاقبته . فلمّا سمع العالم من الحكيم ما نطق به ، وقرع سمعه بيان ما شرحه له أطرق مفكرا ، ثم انتحب بعد الفكرة باكيا ، فطال بكاؤه ، وعلا نحيبه واشتد اضطرابه ، فأقبل عليه عند ذلك الحكيم ، فقال له : الآن حين بدت شمس الحكمة تطلع عليك وواضح نورها يصل إليك ، وعند ذلك تنجلي عنك ظلمات ما أعرضت عنه من علمك ، وأغفلته من موانع العلل لفهمك ، وإني أؤمّل بذلك صلاح ما أفسدته ، والتلافي لحفظ ما ضيعته . فلما سمع العالم إقبال الحكيم عليه بذلك ، سكّن من اضطرابه ، وهدّا من شدة بكائه ، ثم أقبل على الحكيم ، فقال : زدني من دوائك هذا فقد لاوم جراحي ، وقويت الأطماع في