الشيخ أحمد فريد المزيدي

336

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

الوقوع لحجتي ، فتخلّصني بلطيف حيلتك ورفق حكمتك من وبال ما أنت أعلم بما كمن منه في سري ، واستتر عني من خفيّ هوى الشر ، فقد انطوى عني في سالف الأوقات الماضية خفيّ مستبطنات كانت في السرائر كامنة وكشفت لي عنها بجميل نعتك ، وأوقفني على ما بطن منها بلطيف رفقك ، فقال له الحكيم : تحمد اللّه أبدا فيما أنعم به عليك من اطلاعه إياك على ذلك ، وإيقافه لك على مواضع خللك ، فكن بالذل بين يديه خاضعا ، وافتقر إليه بالاستكانة والخضوع ضارعا ، فإنك تلقاه لخفيّ مناجاتك له سامعا ، وإنك إذا كنت كذلك كان لك إليه شافعا . واعلم مع ذلك أن ألسنة الحكمة لا تنطق إلا من بعد أن يؤذن لها ، وإذا نطقت وقع النفع لمن أسمع بها . وإنما مثل ذلك من فضل اللّه على خلقه ، مثل غيث سمائه الذي إذا أنزله أحيا به ميت أرضه . أما سمعت اللّه تعالى يقول : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الروم : 50 ] ، وكذلك يحيي اللّه تعالى بألسنة الحكمة ما أمات الإعراض عنه من قلوب أهل الغفلة . قال العالم للحكيم : أجل ، إن الذي وصفته كما وصفته ، وإني أومّل من الذي انتدبني بلسان حكمتك ، وجاد عليّ تعطّف رحمتك أن تستنفذني من وبال التقصير بدلالتك ، وتخرجني من ذلة التخلف بمصادفة رؤيتك ، وقد علمت الآن أن أربي إلى التكشف لي عما لزمني من وبال تركي للعمل بعلمي ، وتخلّفي عما أوجبه حقّ العلم عليّ ، وعما استتر في نفسي ، وانطوى بالاستخفاء في سري ، ما لم أكن له مدركا ، ولا بما معي من العلم عليه واقفا . وقد أشرقت الآن بقدر ما أيدني اللّه تعالى به منك ، ومنّ به عليّ ، وكشفه لي بأسبابك على بعض ذلك ، فبعلمي بالقليل من ذلك علمت أن عليّ منه كثيرا لم أدركه ، وخفيّ مستبطنا لم أره ولم أعرفه فاكشف لي أيها الحكيم من أمري ، عما أنت أعلم به مني ، فإن الطبيب أعلم بداء السقيم من نفسه ، وأحق أن يصف له من الدواء ما يكون سببا لبرئه . قال له الحكيم : قد بدت مطالعات الفهم تلحقك بمعرفة ما عليك من ذلك ولك ، وبدت أوائل معاني الصحو تلوح لعقلك ، وبدت أوائل الإفاقة تسعى بحركاتها لبعض ما في سرك .