الشيخ أحمد فريد المزيدي
329
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
الشفاء على خالص الوجود المستولي عليه من الحق تعالى ، كذلك يرى في صفته العليا وأسمائه الحسنى . وإنما جرت سنة البلاء على أهل البلاء من هاهنا ، حتى جاذبوا وأقاموا ولم ينخدعوا ، أقيم عليهم ما محقهم في نفس القوة وعلو المرتبة وشرف النسبة . قلت : فما أعجب ما أخبرتني به ، وإن أهل هذه النسبة العالية ليجري عليهم البلاء ؟ فكيف ذلك حتى أعلمه ؟ قال : إنهم لما طلبوه في مراده ومانعوه عن أنفسهم ، فطلبوا له في استيلائه عليهم بساط البلاء على صفاتهم ، لأن لذة الأشياء فيهم ، سترهم به ليقضوا بإنيتهم ويحترقوا بحسوسهم ويلذوا برؤية أنفسهم ، في مواطن الفخر ونتائج الذكر وغلبات القهر . وأنّى لك بعلم ذلك ؟ ! وليس يعلمه إلا أهله ولا يجده سواهم ولا يطيقه غيرهم . أو تدري لما طالبوه ومانعوه فتوسلوا بما منه بدا إليه واستعانوا في التوسل بالحقائق عليه ؟ لأنه أوجدهم وجوده لهم وثبت فيهم وعليهم غيب سرائره الواصلة إليه ، فامتحت الآثار ، وانقطعت الأوطار ، حتى توالت النسب ، وتعالت الرتب ، بفقدان الحس وفناء النفس . ثم أحضرهم الفناء في فنائهم ، وأشهدهم الوجود في وجودهم ؛ فكان ما أحضرهم منهم وأشهدهم من أنفسهم سترا خفيا وحجابا لطيفا ، أدركوا به غصة الفقد وشدة الجهد ، لاستتار ما لا تلحق به العلل ، إحضار ما يلحق العلل به وتليق الآثار بصفته فطالبوه فيما كان مطالبهم ، وما يعرفه من نفوسهم ، لأنهم حلوا بمحل القوة ، ونالوا حقائق الحظوة ، فأقيم عليهم مشغلا لهم ، فنشأ منه فيهم تمام كان ولا كان على الصفة ، وإن كانت غصة البلاء تزيد . قلت : فصف لي تلوين البلاء عليهم في موطنهم العجيب ، ومنزلهم القريب . قال : إنهم استغنوا بما كان بدا ، فخرجوا عن الفاقة ، وتركوا المطالعة ، وألبسوا الظفر بجهد الاقتدار وصولة الافتخار ، وكانوا بذلك ناظرين إلى الأشياء بما لهم ، دون التعريج على ما له بإقامة الفرق والفصل ، لما رأوا ووجدوا بالعينين ، فاستولى بالأمرين ، فإذا بدت عليهم بوادي الحق ، ألجأ منه لهم مما لهم ، على التجريد اقتدارا وافتخارا . خرجوا عن دلك غير مشاكيين له ، مؤثرين لما انفردت به متعتهم ، دالة عليه ويقينا بالسماحة ، لا يرون رجوعا عليهم ولا مطالبة تجري عليهم . فإذا كان ذلك أحاط بهم المكر من حيث لا يعلمون . قلت : قد أغربت على عقلي ، وزدت في خبالي ، فادن من فهمي . قال : إن أهل البلاء لما اتصلوا بحادث الحق فيهم ، وجاري حكمه عليهم ، تغربت أسرارهم ، وتاهت أرواحهم عمر الأبد ، لا تأويها المواطن ولا تجنها الأماكن ، تحن إلى