الشيخ أحمد فريد المزيدي
330
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
مبتليها حنينا وتئن بفناء النائي عنها أنينا ، قد شجاها فقدانها وذلها وجدانها ، أسوفة عليه ، موجعة لديه ، متشوقة في الوجد إليه ، أعقبها بها ظمأ ، ويزيد الظمأ في أحشائها نماء ، فهي الكلفة بمعرفتها ، السخية بفقدها . أقام لها عطشها إليه مع كل مأتم مأتما ، ورفع لها في كل كسوة علما ، يذيقها طعم الفقر ، ويجدد عليها رؤية احتمال الجهد ، ممالة مع آثار المؤن ، تواقة إلى مثلات الشجى ، طلابة لشفائها ، متعلقة بآثار المحبوب فيما يبدو ، وكل إبعاد تراه بعين الدنو . خفيت خفاء لفقد سترها فيما استترت وابتلاها فما نكلت . وكيف تستتر ، وهي مأسورة لديه ، محتسبة له بين يديه . سمحت له بهلاكها فيما أبدى عليها من ابتلائها ، ولم تعزم على الاهتمام بأنفسها استغناء بحبه وتعلقا به في محل قربه . ترى مقادير الألحاظ منه في سرعة يقظتها ، يستغرق هلاكها بالجاري عليها في دوام البقاء وتشديد البلاء ، حتى أمتعها بلاؤها ، وآنسها به بقاؤها ، لما رأته قريبا لمنعها واتيا بلسعتها ، فلم تلو عن حمله كلا لا ولا برمت به ملالا . هم الأبطال فيما جرى عليهم لما أسرّ إليهم . أقاموا في قهره ، انتظار أمره ، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا . وأهل البلاء يقسّمون على قسمين : فمنهم من أوى إلى بلائه ، فساكن مراده ، وما بلي هواه في الأشياء إيثارا لمتعة نفسه ، وتمتعه بوجود حسه حتى أنكى به ومكر به وأزال بالمكر عنه مزايلة حاله ، واعتد ببلائه شرفا ، ورأى أن سبب الخروج عنه سبب النقصان والضعف . * * * الكتاب السادس كلام في الألوهية قال أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه تعالى : اعتزل الحق بهم ، وجردت الألوهية لهم ، فكان أول وارد الحق بتأدية شواهد إبرازه لهم وإنزاله إياهم في أول الألوهية ، أنزل الأزلية على سرمد الأبد ، في ديمومية البقاء إلى ما ليس له غاية ولا منتهى ، ثم أتبع مع ذلك بشاهد منيع العز وطول الفخر وظهور القهر وشامخ العلو وقاهر السطوة وشدة الصولة وعظيم الكبرياء وجليل الجبرياء ، فاعتزل منفردا بذلك وتكبر وتعالى بالعظمة ، فكان الحق بالحق للحق قائما ، وكان الحق بالحق للحكم حاكما ، وتوحد في تفرد جبروته أحدا فردا صمدا ، وهذا أول شاهد إنزاله من أنزل في غلبة هذا