الشيخ أحمد فريد المزيدي

315

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

أحاطت الأمور بهم حين أجرى عليهم مراده من حيث يشاء ، بصفته المتعالية التي لا يشارك فيها . فكان ذلك الوجود أتمّ الوجود ، وهو أولى وأعلى وأحقّ بالقهر والغلبة وصحة الاستيلاء على ما بدا منه عليهم ، حتّى يمحى أثرهم ويمتحي رسومهم ويذهب وجودهم ؛ إذ لا صفة بشريّة ، ولا وجود معلومية ، ولا أثر مفهومية ؛ إنّما هي تلبيسات على الأرواح ما لها من الأزليّة ؛ ذوق وجود نعيم لا كالنّعيم ؛ مستحيلة في المعاني ، متّفقة الأسامي ، متصادقة في ذوق نعيمها ، متلوّنة في رسوم شواهدها . تبدو بنعيمها في طوالع شواهدها ، وتتلوّن في ذوق مرارات طعمها . لهج أفكارهم في محبوبهم ، وتذمّت أذكارهم في أسرارهم . هاجت عليهم عند ذلك بحار الغيرة تتلاطم أمواجها ، عظم البلاء عند تصفّحهم لواردها ، واضمحلّت نفوسهم عند توقعهم إيّاها ، وقام عليهم كلّ معلوم نكرا ، وثبت كلّ نكر معلوما . برزوا بعلم الحقيقة لدى الحقّ ؛ حين أوجدهم حقيقة الحقّ نسبة منه لا إلى الواجد لها ؛ كان ذلك كمال الجهد لديه . ثم لم يجعل لبلائهم أسامي فيستريحون ، ولا لجهدهم معلوما فيتنعّمون ، شغل بعضهم عن بعض ، وأفرد بعضهم عن بعض ، فهم في حضورهم فقد ، وفي متعهم بالمشاهدة كمال الجهد ، لأنّه قد محي عنهم كلّ رسم ومعنى يجدونه بهم ، ويشهدونه من حيث هم ، لما استولى عليهم فمحاهم وعن صفاتهم أفناهم . وإنما معنى ذلك أن تؤدّي الحقيقة من الحقّ ما يشاء ، كيف أثبت بهم وعليهم ، وقام عنهم بما لهم ، وثبّت دواعي ذلك عليهم وفيهم من جنس كماله وتمامه ، فوجد النّعيم من غير جنس النّعيم ، ووجد البلاء في معلوم النّعيم ، ووجد الوجود في غير سبيل الوجود ، باستتار الحقّ واستيلاء القهر . فلما فقدت الأرواح النعيم الغيبيّ الذي لا تحاسّه النفوس ولا تقارفه المحسوس ، ألفت فناها عنها ، وطرحتهم في مفاوز مهلكات بلواها ، ثم ألفت بعد إلفهم للفناء فناء ، لأن لا يجدوا طعما معلوما ، ولا يستريحوا إلى موجود ، امتلأ بهم بلا إشارة إلى صفاتهم ، ولا رسوم من رسوم المواصفات ، ولا البواعث منه إليها ، وامتحت شواهده في الآثار حين لا يوجد السّبيل إلى درك الشّفاء على خالص الوجود المستولي عليه من الحقّ تعالى ، كذلك من في صفته العليا وقوّة شاهده بوارد سلطانه ؛ وإنما جرت سنّة البلاء على أهل البلاء حين جاذبوا وأقاموا ، وثبتوا ولم ينخدعوا . أقيم عليهم ما محقهم في نفس القوّة وعلوّ المرتبة وشرف المنزلة وسناء النّسبة ، ثم أحضرهم الفناء في فنائهم ، وأشهدهم الوجود في وجودهم ، فكان ما أحضرهم منهم وأشهدهم الوجود في وجودهم « سترا خفيا وحجابا لطيفا » ، أدركوا به عظيم الفقد وشدة