الشيخ أحمد فريد المزيدي
314
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
كتاب الميثاق « 1 » الحمد للّه الذي جعل ما أنعم على عباده من إبزاغ نعمته دليلا هاديا لهم إلى معرفته ، بما أفادهم به من الإفهام والأوهام التي يفهمون بها رجع الخطاب ؛ أحمده دائما ديموميا ، وأشكره شكرا قائما قيّوميّا . وأشهد أن لا إله إلا اللّه الفرد الفريد الأحد الوحيد الصمد القدوس . وأشهد أن محمدا صلى اللّه عليه وسلّم الكامل بالنبوة والتام للرسالة ، صلى اللّه عليه وعلى آله أجمعين . ثم إن للّه عزّ وجلّ صفوة من عباده وخلصاء من خلقه ، انتخبهم للولاية ، واستخلصهم للكرامة ، وأفردهم به له . جعل أجسادهم دنيويّة وأرواحهم نورانيّة ، وأوهامهم روحانيّة ، وأفهامهم عرشيّة ، وعقولهم حجبيّة . جعل أوطان أرواحهم غيبيّة في مغيب الغيب . جعل لهم تسرّحا في غوامض غيوب الملكوت . ليس لهم مأوى إلا إليه ، ولا مستقر إلا عنده . أولئك الذين أوجدهم لديه في كون الأزل عنده ومراكب الأحديّة لديه ؛ حين دعاهم فأجابوا سراعا ، كرما منه عليهم وتفضّلا ؛ أجاب به عنهم حين أوجدهم ، فهم الدعوة منه ؛ وعرّفهم نفسه حين لم يكونوا إلا مشيئة أقامها بين يديه ؛ نقلهم بإرادته ، ثم جعلهم كذرّ ، أخرجهم بمشيئته خلقا ، فأودعهم صلب آدم عليه السلام ، فقال عز وجلّ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] ، فقد أخبر جل ذكره أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم ، إذ كانوا واجدين للحق من غير وجودهم لأنفسهم ، فكان الحقّ بالحقّ في ذلك موجودا بالمعنى الذي لا يعلمه غيره ، ولا يجده سواه . فقد كان واجدا محيطا شاهدا عليهم ، برّاهم في حال فنائهم ، الذين كانوا في الأزل للأزل ، أولئك هم الموجودون الفانون في حال فنائهم الباقون في بقائهم ؛ أحاطت بهم صفات الربانية وآثار الأزليّة ، وأعلام الديموميّة . أظهر هذه عليهم لمّا أراد فناءهم ، ليديم بقاءهم هناك ، وليفسّحهم في علم الغيب غيبه ، وليريهم غوامض مكنونات علمه ويجمعهم به ، ثم فرّقهم ، ثم غيّبهم في جمعهم ، وأحضرهم في تفريقهم ، فكان غيبهم سبب حضورهم ، وحضورهم سبب غيبهم . اختطفهم بالشّواهد البادية منه عليهم حين أحضرهم ، واستلبهم عنها حين غيّبهم . أكمل فناءهم في حال بقائهم ، وبقاءهم في حال فنائهم .
--> ( 1 ) النص من نشر عبد القادر ( ص 43 ) .