الشيخ أحمد فريد المزيدي
295
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
عن الجنيد رحمه اللّه أنه قال : كلمت يوما رجلا من القدرية ، فلما كان في الليل رأيت في النوم كأن قائلا يقول : ما ينكر هؤلاء القوم أن يكون اللّه قبل خلقه للخلق علم أنه لو خلق الخلق ثم مكنهم أمورهم ثم ردّ الاختيار إليهم للزم كل امرئ منهم بعد أن خلقهم ما علم أنهم له مختارون « 1 » . باب الوصية للمريدين قال الجنيد لبعض أصحابه : أوصيك بقلة الالتفات إلى الحال الماضية عند ورود الحال الكائنة « 2 » . قال الجنيد وقد قال له رجل أوصني : أرض القيامة كلها نار ، فانظر أين تكون رجلك « 3 » . قال الجنيد : دخلت على السريّ وهو يجود بنفسه في سكرات الموت ، فجلست وبكيت فسقطت دموعي على خده ، ففتح عينيه ، ونظر إليّ ، فقلت : أوصني ؟ قال : لا تصحب الأشرار ، ولا تشتغل عن اللّه بمخالطة الأخيار « 4 » . وقال الجنيد قدّس اللّه سرّه : امتزج بالالتباس واختلط متلوّنا في الإحساس ، وما يتغير عنها في الالتباس يؤخذ عنه كأسرع مأخوذ ومختلس « 5 » . يقول الجنيد واعظا : يا فتى ، الزم العلم ولو ورد عليك من الأحوال ما ورد ويكون العلم مصحوبك ؛ فالأحوال تندرج فيك وتنفد ، لأن اللّه عز وجلّ يقول : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ آل عمرن : 7 ] « 6 » . يقول الجنيد في بعض وصاياه : يا أخي ، فاعمل ، ثم اعجل قبل أن يعجل الموت بك ، وبادر ، ثم بادر قبل أن يبادر إليك ، وقد وعظك اللّه تعالى في الماضين من إخوانك ، والمنقولين من الدنيا من أقرانك وأخدانك ، فذاك حظك الباقي عليك ، والنافع لك ، وكل
--> ( 1 ) انظر : إيثار الحق على الخلق ( ص 256 ) ، والمعزى في مناقب أبي يعزى . ( 2 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 335 ) . ( 3 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 245 ) . ( 4 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 246 ) ، وفيض القدير ( 1 / 442 ) . ( 5 ) انظر : اللمع ( ص 449 ) . ( 6 ) انظر : الحلية ( 10 / 257 ) .