الشيخ أحمد فريد المزيدي

294

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

رأى الجريري الجنيد في المنام ، فقال له : كيف حالك يا أبا القاسم ؟ فقال : طاحت تلك الإشارات ، وبادت تلك العبارات ، وما نفعنا إلا تسبيحات كنا نقولها بالغدوات « 1 » . وقال الخلدي : رأيت الجنيد في المنام فقلت له : أليس كلام الأنبياء عليه السلام إشارات في مشاهدات ؟ فتبسّم ، وقال : كلام الأنبياء عن حضور ، وكلام الصدّيقين إشارات عن مشاهدات « 2 » . وقال عليّ بن منصور الدينوري : خرجت إلى بغداد ومعي شيء من الدنيا أريد تفرقته على أصحاب الجنيد وسائر الفقراء ، فوافينا بغداد ، ونزلنا في مكان ، وأحرزنا ما كان معنا وقصدت جنيدا ؛ لأسلم عليه ، وأقضي حقه ، فوجدته ، فباسطني بكلامه وحسن خلقه ، وكنت أختلف إليه على دائم الوقت وأجالسه ، فلما كان ذات ليلة رأيت في المنام كأن الخليفة قد جاءني يدعوني إلى ضيافته فانتبهت ، وحدثت بما رأيت صاحبا لي ، فقال : ننظر تأويل رؤياك هذه ، فلما أصبحنا وصلينا الصبح ونحن جلوس إذا الباب يدق ، فقام صاحبي وفتح الباب ، فإذا نحن بأبي القاسم الجنيد ، فقمنا إليه ، وسلمنا عليه ، وجلس عندنا ساعة ، وتحادثنا وتذاكرنا بالعلم ، ثم دعانا إلى دعوة له في منزله ، قال عليّ بن منصور : فتبسمت لذلك ، فقال لي الجنيد : ممّ تبسمك ؟ فقلت : رأيت البارحة في النوم كأن الخليفة قد جاء يدعوني إلى ضيافته وحدثت صاحبي هذا حين انتبهت فصلينا الغداة وجلسنا ننتظر ما يكون من تأويل الرؤيا حتى طرقت الباب فلما دخلت وجلست ودعوتني تبسمت لذلك ، فقال الجنيد : لقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وأبا بكر عن يمينه ، وعمر عن شماله ، وعليّا بين يديه ، فسلمت عليه وجلست بين يديه ، وإذا برجلين قد دخلا وجلسا بين يديه ، فادعى أحدهما على الآخر دعوى في مطالبة بحقّ ، فالتفت إلىّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وقال : يا أبا القاسم ، احكم بينهما ؛ فقد وليتك الحكم فسكتّ ؛ إعظاما لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم واحتشاما له ولصاحبيه ، فأعاد ، فاحتشمت ولم أجب ، فأعاد الثالثة ، فاحتشمت هيبة له وإجلالا ، فقال لي في الرابعة : يا أبا القاسم ، احكم بينهما ؛ فقد وليتك الحكم بين الخلق . فانتبهت وأنا مذعور ، فجئت إليكم أتسلى « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : الرسالة ( 2 / 722 ) . ( 2 ) انظر : روضة الحبور ( ص 108 ) بتحقيقنا . ( 3 ) انظر : روضة الحبور ( ص 118 ) بتحقيقنا .