الشيخ أحمد فريد المزيدي

288

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

الحدادين إلى كور عظيم محمى فيه حديدة عظيمة ، فأدخل يده في الكور ، فأخذ الحديدة المحماة ، فأخرجها ، فبردت في يده ، فقال له : يجزيك هذا ، فسئل بعضهم عن معنى إظهار ذلك من نفسه ؟ فقال الجنيد : كان مشرف على حاله فخشي على حاله أن يتغير عليه إن لم يظهر ذلك له ، فخصه بذلك شفقة عليه ، وصيانة لحاله ، وزيادة لإيمانه « 1 » . قيل للجنيد : ما للمريدين في مجاراة الحكايات ؟ فقال : الحكايات جند من جنود اللّه تعالى يقوّي بها قلوب المريدين ، قيل له : فهل في ذلك شاهد ؟ فقال رضي اللّه عنه : نعم قوله تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] « 2 » . وقيل : إن الجنيد مرض مرة ، فعاده النوريّ ، فوضع يده عليه فعوفي لوقته « 3 » . قال الجنيد : قال لي السمين : كنت في وقت من الأوقات أعمل على الشوق ، وكنت أجد من ذلك شيئا أنا به مستقبل ، فخرجت إلى الغزو بهذه الحال وغزا الناس ، وغزوت معهم ، وكثر العدو على المسلمين ، وتقاربوا ، والتقوا ، ولزم المسلمين من ذلك خوف ؛ لكثرة الروم . قال محمد السمين : فرأيت نفسي في ذلك الموطن وقد لحقها روع ، فاشتدّ ذلك عليّ ، فجعلت أوبّخ نفسي ، وألومها ، وأؤنبها ، وأقول لها : يا كاذبة ، تدّعين الشوق ، فلما جاء الموطن الذي يؤمل فيه الخروج اضطربت وتغيرت ، فأنا أوبّخها إذ وقع عليّ أن أنزل إلى النهر فأغتسل ، فخلعت ثيابي ، واتّزرت ، ودخلت النهر ، واغتسلت ، وخرجت وقد اشتدت لي عزيمة لا أدري ما هي ، فخرجت بقوة تلك العزيمة ولبست ثيابي ، وأخذت سلاحي ،

--> ( 1 ) انظر : اللمع ( ص 404 ) . فائدة : قال الشيخ الكتاني في الجلاء ( 1 / 268 ) : وفي شرح الطريقة المحمدية للخادمي لدى قول أصله ، وكرامات الأولياء حق إلى آخره ما نصه : وفي بعض الكتب عن فصل الخطاب لخوجة بارسا أن الواحد من تلامذة حضرة الجنيد قدّس سره يدخل الدجلة لأجل الغسل فيرى نفسه في ديار الهند فيتزوج ويحصل له أولاد فيدخل الماء مرة أخرى فيجد نفسه في ساحل الدجلة فيلبس ثيابه ويجيء زاويته وأصحابه يتوضئون الوضوء . ( 2 ) انظر : روضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 19 ) بتحقيقنا ، واللمع للطوسي ( ص 275 ) ، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ( 1 / 577 ) ، ومدارج السالكين لابن قيم ( 2 / 366 ) . ( 3 ) انظر : تفسير القرطبي ( 14 / 76 ) .