الشيخ أحمد فريد المزيدي
280
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
قال الجنيد : إذا أحب اللّه عبدا لم يذر له مالا ولا ولدا ؛ لأنه إذا كان ذلك له أحبه ، فتتشعب محبته لربه وتتجزأ وتصير مشتركة بين اللّه وغيره ، اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 ] ، وهو تعالى قاهر لكل شيء ، فربما أهلك شريكه وأعدمه ليخلص قلب عبده لمحبته وحده « 1 » . قوله تعالى : قَدْ شَغَفَها حُبًّا [ يوسف : 30 ] قال الجنيد قدّس سرّه : الشغف ألا يرى المحب جفاء له جفاء بل يراه عدلا منه ووفاء ، وتعذيبكم عذب لدي ، وجوركم عليّ بما يقضى الهوى لكم عدل « 2 » . باب الشوق يقول الجنيد : سمعت سريّا السقطيّ يقول : الشوق أجلّ مقام للعارف إذا تحقق فيه ، وإذا تحقق في الشوق لها عن كل شيء يشغله عمّن يشتاق إليه . قال الجنيد : بلغني أن يونس عليه السلام بكى حتى عمي ، وقام حتى انحنى ، وصلّى حتى أقعد ، ثم قال : وعزتك لو كان بيني وبينك بحر من نار لخضته ؛ شوقا إليك . باب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليهم قال الجنيد : دخلت على السريّ يوما ، فأمرني شيئا ، فقضيت حاجته سريعا ، فلما رجعت ناولني رقعة ، وقال : هذا لما كان قضاؤك لحاجتي سريعا . فقرأت الرقعة ، فإذا فيها مكتوب : سمعت حاديا يحدو في البادية : أبكي ، وهل يدريك ما يبكيني * أبكي حذرا أن تفارقيني وتقطعي حبلي وتهجريني « 3 » يحكى أن مريدا من مريدي الإمام الجنيد رضي اللّه عنه خيّل إليه أنه وصل إلى درجة الكمال ، وقال لنفسه : إن الوحدة أفضل لي من الصحبة ، واعتكف في زاويته وأعرض عن صحبة الجماعة ، فلما أقبل الليل جيء بجمل ، وقيل له : ينبغي لك أن تذهب إلى الجنة ، فركبه وأخذ يسير حتى بدا له مكان بهيج ، وكان فيه جماعة حسان الصور ، وأطعمة طيبة ، ومياه
--> ( 1 ) انظر : الفيض للمناوي ( 2 / 129 ) . ( 2 ) انظر : روح المعاني ( 13 / 77 ) . ( 3 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 634 ) .