الشيخ أحمد فريد المزيدي

281

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

جارية ، واستبقوه حتى وقت السحر ، ثم نام ، فلما استيقظ رأى نفسه على باب صومعته حتى استشرت فيه رعونة الآدمية ، وأظهرت نخوة الشباب أثرها في قلبه ، فأطلق لسان الدعوى ، وكان يقول : إن لي كذا وكذا . حتى أبلغ الخبر الجنيد ، فنهض وجاء إلى صومعته ، فوجده وقد ملأ رأسه زهوا ، وتمكن في دماغه الكبر ، فسأله الجنيد عن حاله ؟ فذكر للجنيد كل شيء ، فقال له رضي اللّه عنه : عندما تذهب الليلة إلى ذلك المكان قل : لا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم ثلاث مرات ، فلما جنّ الليل حملوه ، وكان في قلبه ينكر علم الجنيد ، فلما انقضى زمن . . قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم ثلاث مرات على سبيل التجربة ، فضجّ أولئك جميعا ، وانصرفوا ، ووجد نفسه جالسا في وسط مزبلة وقد أحاطت به بعض عظام الرمم ، ووقف على خطئه وتعلق بأهداب التوبة ، ورجع إلى صحبة أصحابه « 1 » . قال الجنيد قدّس سرّه : أمرني ربّي أمرا ، وأمرني السريّ أمرا ، فقدّمت أمر السريّ على أمر ربي وكل ما وجدت فهو من بركاته . الرحمة الخاصة قال الجنيد في معنى قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « يكره الموت وأكره مساءته « 2 » » يريد لما يلقى من عيان الموت وصعوبته وكربه ليس أني أكره له الموت لأن الموت يورده إلى رحمته ومغفرته « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 585 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2348 ) ، والبيهقي في الزهد الكبير ( 2 / 269 ) ، والنص للجنيد عنده . ( 3 ) قال الحافظ في الفتح : وعبّر بعضهم عن هذا بأن الموت حتم مقضي ، وهو مفارقة الروح للجسد ، ولا تحصل غالبا إلا بألم عظيم جدا ، كما جاء عن عمرو بن العاص أنه سئل وهو يموت ؟ فقال : كأني أتنفس من خرم إبرة وكأن غصن شوك يجر به من قامتي إلى هامتي ، وعن كعب أن عمر سأله عن الموت فوصفه بنحو هذا ، فلما كان الموت بهذا الوصف واللّه يكره أذى المؤمن أطلق على ذلك الكراهة ، ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة لأنها تؤدي إلى أرذل العمر وتنكس الخلق والرد إلى أسفل سافلين ، وجوز الكرماني أن يكون المراد أكره مكرهه الموت فلا أسرع بقبض روحه فأكون كالمتردد . قال الشيخ أبو الفضل بن عطاء : في هذا الحديث عظم قدر الولي لكونه خرج عن تدبيره إلى تدبير ربه ، وعن انتصاره لنفسه إلى انتصار اللّه له وعن حوله وقوته بصدق توكله . -