الشيخ أحمد فريد المزيدي
276
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
مقام له فيه ، كما أنكر المحبة أيضا من لا معرفة له بها ؛ لأنه تخيّل فيها محبة المخلوق ، وتمثل لها صفاتهم ، فقال : لا يعرف المحبة ولا يعقلها إلا المخلوق ، وليس إلا الخوف والهيبة « 1 » . قد سئل عن مقام غاية الحب ؟ فقال : وهو مقام عزيز يستغرق العقول ، وينسي النفوس ، وهو من أعلى علم المعرفة باللّه تعالى « 2 » . وقال الجنيد : في هذا المقام يعلم العبد أن اللّه عز وجلّ يحبه ، ويقول العبد : بحقي عليك ، وبجاهي عندك ، ويقول : بحبك لي . ثم قال الجنيد : وهؤلاء هم المدلون على اللّه تبارك وتعالى ، والمستأنسون باللّه تعالى ، وهم جلساء اللّه تعالى ، قد رفع الحشمة بينه وبينهم ، وزالت الوحشة بينهم وبينه ، فهم يتكلمون بأشياء هي عند العامة كفر باللّه تعالى ؛ لما قد علموا أن اللّه تعالى يحبهم ، وأن لهم عند اللّه جاها ومنزلة . ثم قال الجنيد : أما أهل الأنس باللّه تعالى فليس إلى معرفتهم سبيل « 3 » . وعن الجنيد قدّس اللّه سرّه أنه قال : سألني السريّ يوما عن المحبة ؟ فقلت : قال قوم : هي الموافقة ، وقال قوم : الإيثار ، وقال قوم : كذا وكذا . فأخذ السري جلدة ذراعه ومدّها ، فلم تمتد ، ثم قال : وعزته تعالى لو قلت : إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت ، ثم غشي عليه ، ثم دار وجهه كأنه قمر . وكان السريّ شديد الأدمة ، وإنما أشرق وجهه في تلك الساعة ما خامر قلبه من الأنوار واستولى على باطنه من الأسرار « 4 » . قال الجنيد : علامة المحب دوام النشاط الدؤوب بشهوة تفتر بدنه ، ولا تفتر قلبه « 5 » . سئل الجنيد عن معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « حبّك للشيء يعمي ويصم « 6 » » ؟ فقال : حبك للدنيا يعمي ويصم عن الآخرة « 7 » .
--> ( 1 ) انظر : القوت ( 2 / 153 ) . ( 2 ) انظر : القوت ( 2 / 153 ) . ( 3 ) انظر : القوت ( 2 / 153 ) . ( 4 ) انظر : الرسالة ( 1 / 65 ) ، والمعزى في مناقب أبي يعزى لأبي العباس التادلي ( بتحقيقنا ) . ( 5 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 334 ) . ( 6 ) رواه أبو داود ( 4 / 334 ) ، والطبراني في الأوسط ( 4 / 334 ) ، وفي الشاميين ( 2 / 340 ) . ( 7 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 164 ) .