الشيخ أحمد فريد المزيدي
277
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
قال أبو عمرو الزجاجي : سألت الجنيد عن المحبة ، فقال : تريد الإشارة . فقلت : لا . قال : تريد الدعوى . قلت : لا . قال : فإيش تريد ؟ قلت : عين المحبة . فقال : أن تحب ما يحب اللّه تعالى في عباده ، وتكره ما يكره اللّه تعالى في عباده « 1 » . قال الجنيد : دفع السريّ إلي رقعة ، وقال : هذه لك خير من سبعمائة قصة أو حديث يعلو ، فإذا فيها « 2 » : ولمّا ادّعيت الحبّ قالت * كذبتني ، فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا فما الحبّ ! حتّى يلصق القلب بالحشا * وتذبل حتّى لا تجيب المناديا وتنحل حتّى لا يبقي لك الهوى * سوى مقلة تبكي بها ، وتناجيا حكي عن الجنيد قدّس اللّه سرّه أنه كان يقول : ذكرت المحبة بين يدي سريّ السقطيّ قدّس اللّه سرّه فضرب يده على جلد ذراعه فمدها ، ثم قال : لو قلت : إنما جفّ هذا على هذا من المحبة لصدقت . قال الجنيد ، ثم أغمي عليه حتى غاب ، ثم تورّد وجهه حتى صار مثل دائرة القمر ، فما استطعنا إليه من حسنه حتى غطينا وجهه « 3 » . قال الجنيد رحمه اللّه تعالى : علم الفقير إذا قوي ضعفت محبته ، وإذا ضعف قويت محبته ، وحكم الفقير أن يكون فوق محبته « 4 » . وقال الجنيد : رأيت رجلا متعلقا بكمّ صبيّ ، وهو يتضرع إليه ، ويظهر له المحبة ، فالتفت إليه الصبي ، وقال له : إلى متى ذا النفاق الذي تظهر لي ؟ فقال : قد علم اللّه أني صادق فيما أورده ، حتى لو قلت لي : مت لمت . فقال : إن كنت صادقا فمت ، فتنحّى الرجل وغمض عينيه ، فوجد ميتا « 5 » . قال الجنيد رضي اللّه عنه : دخلت الكوفة في بعض أسفاري ، فرأيت دارا لبعض الرؤساء ، وقد شفّ عليها النعيم ، وعلى بابها عبيد وغلمان ، وفي بعض رواشنها جارية تغني ، وهي تقول :
--> ( 1 ) انظر : طبقات الصوفية للسلمي ( ص 163 ) ، وطريق الهجرتين ( ص 460 ) . ( 2 ) انظر : نشر المحاسن لليافعي ( ص 60 ) . ( 3 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 382 ) . ( 4 ) انظر : اللمع للطوسي ( ص 231 ) . ( 5 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 351 ) .