الشيخ أحمد فريد المزيدي

263

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

كيف القرار على من لا قرار له * مما جناه الهوى والشّوق والقلق يا ربّ إن يك شيء فيه لي فرج * فامنن عليّ به ما دام بي رمق قال الجنيد : ما رأيت أعبد من السريّ ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت « 1 » . كان أبو القاسم الجنيد كثير الصلاة ، ثم رأيناه في وقت موته وهو يدرس ويقدم إليه الوسادة فيسجد عليها ، فقيل له : ألا روّحت عن نفسك ؟ فقال : طريق وصلت به إلى اللّه لا أقطعه « 2 » . حكي أن أبا العباس بن عطاء دخل على الجنيد في وقت نزعه ، فسلّم عليه فلم يجبه ، ثم أجاب بعد ساعة ، وقال : اعذرني ؛ فإني كنت في وردي ، ثم ولّى وجهه إلى القبلة ، وكبّر ، ومات « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : السير ( 12 / 186 ) ، والرسالة ( 1 / 65 ) ، وروضة الحبور ( ص 125 ) . ( 2 ) انظر : صفوة الصفوة ( 2 / 422 ) . ( 3 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 483 ) ، وعقب الشيخ ابن عجيبة بقوله : وهذا سبيل طائفة الجنيد رضي اللّه عنه لم يترك أوراده في حال نزاعه فقيل له في ذلك ؟ فقال : ومن أولى مني بذلك ، وهذه صحائفي تطوى . فلم يترك الخدمة رضي اللّه عنه في مثل هذه الحالة فكيف بسواها ، قيل له : إن جماعة يزعمون أنهم يصلون إلى حالة يسقط عنهم التكليف . قال : وصلوا ولكن إلى سقر ، وقال في كلام آخر هذا كلام من يقول بالإباحة والسرقة والزنا عندنا أهون حالا ممن يقول بهذه المقالة ولقد صدق رضي اللّه عنه في قوله هذا فإن الزاني والسارق عاص بزناه وسرقته ولا يصل إلى حد الكفر ، وأما القائل بسقوط الفرائض المعتقد لذلك فقد انسل من الدين كانسلال الشعرة من العجين ، فعض على هذا الأصل بالنواجذ يا أخي ولا تسمع كلام من أخذ الحقائق من الكتب وصار يتكلم بالزندقة والإلحاد وإسقاط الأعمال على حسب فهمه وهواه قال صلى اللّه عليه وسلّم : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به » ، وقال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] ؛ فعليك بمتابعته صلى اللّه عليه وسلّم ومتابعة السلف الصالح في الأقوال والأفعال والأحوال تحز مقامهم وتكن معهم فالمرء مع من أحب انتهى كلام النقشبندي ، وهو حسن لأن من أخذ الحقائق من الكتب لا ذوق عنده وإنما يترامى على الحقيقة بالعلم ، فيتبع الرخص ويسقط في مهاوي الهوى ، وأما من كان من أهل الأذواق فسره مكتوم وأمره محزوم ، عبادته أدب وشكر وهو أحق بدوام الشكر ، وكيف ينكر الواسطة ، ولولا الواسطة لذهب الموسوط . وانظر : الإيقاظ ( 2 / 83 ) .