الشيخ أحمد فريد المزيدي

256

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

يقول الجنيد في تفسير كلمات أبي يزيد : عند إشرافي على التوحيد تحقق عندي غيبوبة الخلق كلهم عن اللّه تعالى ، وانفراد اللّه عز وجلّ بكبريائه عن خليقته ، وهذه الألفاظ التي قال أبو يزيد معروفة في إدخال المراد فيما أريد منها « 1 » . قال أبو يزيد البسطامي قدّس سرّه : أول ما صرت إلى وحدانيته ، فصرت طيرا جسمه من الأحدية ، وجناحاه من الديمومة ، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين ، حتى صرت إلى هواء مثل ذلك مائة ألف مرة ، فلم أزل أطير إلى أن صرت في ميدان الأزلية ، فرأيت فيها شجرة الأحدية ، ثم وصف أرضها وأهلها وزرعها وأغصانها ، وثمارها ، ثم قال : فنظرت فعلمت أن هذا كله خدعة . قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : حكايات أبي يزيد البسطامي قدّس اللّه سرّه تدل على أنه كان قد بلغ إلى عين الجمع ، وعين الجمع اسم من أسماء الوحيد ، له نعت ووصف يعرفه أهله « 2 » . قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : رأيت حكايات أبي يزيد قدّس اللّه سرّه على ما نعته ينبئ عنه : أنه قد غرق فيما وجد منها ، وذهب عن حقيقة الحق ، إذا لم يرد عليها وهي معان غرّقته على تارات من الغرق ، كل واحد منها غير صاحبتها . وقال الجنيد قدّس اللّه سرّه : أما ما وصف من بدايات حاله فهو قويّ محكم ، قد بلغ منه الغاية ، وقد وصف أشياء من علم التوحيد صحيحة ، إلا أنها بدايات ، فيما يطلب منها المرادون لذلك « 3 » . ولقد سئل الجنيد رحمه اللّه عن قوم مرّ بهم من المتكلمين ما هؤلاء ؟ فقيل : قوم ينزّهون اللّه بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص . فقال : نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب ، لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة ؛ إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها ، واللّه تعالى ولي المؤمنين يفيضون فيه « 4 » .

--> ( 1 ) انظر : اللمع ( ص 469 ) . ( 2 ) انظر : اللمع ( ص 450 ) . ( 3 ) انظر : اللمع ( ص 459 ) . ( 4 ) انظر : أبجد العلوم للقنوجي ( 2 / 452 ) .