الشيخ أحمد فريد المزيدي

257

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

يقول الجنيد : إن أول ما يحتاج إليه من عقد الحكمة تعريف المصنوع صانعه والمحدث كيف كان أحدثه ، وكيف كان أوله ، وكيف أحدث بعد موته ، فيعرف صفة الخلق من المخلوق ، وصفة القديم من المحدث ، فيعرف المربوب ربّه ، والمصنوع صانعه ، والعبد الضعيف سيده ، فيعبده ، ويوحده ، ويعظمه ويدل على دعوته ، ويعترف بوجوب طاعته ، فإن من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه ، ولم يضف الخلق في تبديره إلى وليه ، والتوحيد علمك وإقرارك بأن اللّه فرد في أوليته ، لا ثاني معه ولا شيء يفعل فعله ، وأفعاله التي أخلصها لنفسه أن يعلم أنه ليس شيء يضرّ ولا ينفع ، ولا يمنع ، ولا يسقم ، ولا يبرئ ، ولا يرفع ، ولا يضع ، ولا يخلق ، ولا يرزق ، ولا يميت ، ولا يحيي ، ولا يسكن ، ولا يحرك غيره جلّ جلاله « 1 » . قال الجريريّ : قدمت مكة ، فبدأت بالجنيد لكي لا يتعنىّ إليّ ، فسلّمت عليه ، ثم مضيت إلى المنزل ، فلما صليت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصف ، فقلت : إنما جئتك أمس لئلا تتعنّى . فقال : ذاك فضلك ، وهذا حقك « 2 » . وكان الجنيد يقول : علمنا هذا الذي نتكلم فيه قد طوي بساطه منذ عشرين سنة ، وإنما نتكلم في حواشيه « 3 » . وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد : الحمد للّه . فقال له : أتمّها كما قالها اللّه ، قل : ( رب العالمين ) . فقال الرجل : ومن العالمين حتى تذكر مع الخالق ؟ قال : قل يا أخي ؛ فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر « 4 » . في قوله تعالى : اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] قال الجنيد : اللطيف من نور قلبك بالهدى ، وربّى جسمك بالغذاء ، وجعل لك الولاية في البلوى ، ويحرسك وأنت في لظى ، ويدخلك جنة المأوى « 5 » .

--> ( 1 ) انظر : الحلية لأبي نعيم ( 10 / 256 ) . ( 2 ) انظر : تاريخ بغداد ( 7 / 243 ) . ( 3 ) انظر : القوت ( 1 / 330 ) ، والمواعظ والنكات من خالصة الحقائق للفاريابي ( 1 / 91 ) ، وقال : يعني علم التوحيد . . ( 4 ) انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 139 ) ، وشرح الحكم الكردية للشيخ الشرقاوي ( 133 / ق ) . ( 5 ) انظر : روح المعاني ( 7 / 259 ) .