الشيخ أحمد فريد المزيدي
252
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
سئل الجنيد عن قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه ولم يكن معه شيء ثان » ؟ فقال : هو الآن على ما عليه كان « 1 » . سئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن التوحيد ؟ فقال : معنى تضمحل فيه الرسوم ، وتندرج فيه العلوم ، ويكون اللّه تعالى كما لم يزل « 2 » . قال الجنيد : كنت عند أستاذي ابن الكرنبي ، وهو يجود بنفسه ، فنظرت إلى السماء فقال : بعد . ثم نظرت إلى الأرض ، فقال : بعد « 3 » .
--> - جلاء فوقه فيتحير العقل ويمتنع عن تمام إدراكه كالنور إذا اشتد يمنع البصر عن الرؤية ثم إنهم بعد الاتفاق على عدم وقوع تصوره بكنهه اختلفوا فمنهم من اقتصر على ذلك وجوز إمكانه وهو يلوح من كلام الشيخ الرئيس يعني أبي علي بن سينا وقال الإمام يعني فخر الدين الرازي عليه الرحمة بالاستحالة وهو مذهب قدماء الفلاسفة والصوفية الصافية كثرها اللّه تعالى وهكذا نقل عن إمامنا الأعظم إمام الأئمة الباذل جهده في إعلاء السنة وقمع البدعة أبي حنيفة - رحمه اللّه - الكوفي والدلائل المذكورة تعطي امتناعه بالذات وهو - الصواب ، انتهى منه بلفظه . وبه وبكلام زروق قبله نعلم ما في قول اليوسي أخذا من كلام السعد أن عدم الجواز إنما هو عند الفلاسفة كما أنه بكلام اليوسي وما بعده تعلم ما في قول أبي العياش أنه اتفق على عدم وقوع تصوره تعالى بكنهه فإنه لا اتفاق بل جمهور المتكلمين على الوقوع كما في كلام السعد المتقدم ، إلا أن يريد اتفاق الصوفية والحكماء واللّه أعلم . وهذه نصوص أهل اللّه تعالى المعلنة بما نقلناه عنهم قبل من هذا المطلوب ونسبناه إلى جنابهم من ذلك التفصيل المحبوب . كما قال عليه الصلاة والسلام : « كان اللّه ولم يكن شئ غيره » . أخرجه أحمد في مسنده والبخاري في بدء الخلق ، والطبراني في الكبير من حديث عمران بن حصين . وهو الآن على ما عليه كان قبل خلق الزمان والمكان وغيرهما من الحوادث والأكوان كما قال الجنيد عند سماعه لهذا الحديث : وهو الآن كما كان يعني لم يحل في شيء ولم يحل فيه شيء ولم يحده زمان ولا حواه مكان ولا تغير عن صفته الأزلية وحالته ولا وجد معه شيء من الأشياء كلها في أوصافه العلية أو مرتبته . وزيادة بعضهم في لفظ هذا الحديث كالنابلسي في شرحه المذكور : وهو الآن على ما عليه كان . ليست في شيء من كتب هذا الشأن كما قال ابن تيمية وغيره ، بل هي مدرجة فيه كما ذكره الشيخ الأكبر في عقلة المستوفز ، وذكر غيره أنها من كلام الجنيد . وانظر : جلاء القلوب ( 1 / 296 ) ، ( 2 / 5 ) بتحقيقنا . ( 1 ) انظر : شرح الصلاة الأكبرية المسمى بكشف الأسرار للشيخ عمر العطار ( ص 21 ) تحت قيد الطبع يتحقيقنا . ( 2 ) انظر : الرسالة ( 2 / 583 ) ، واللمع ( ص 49 ) . ( 3 ) يعقب أبو القاسم القشيري بقوله : يعنى إنه أقرب إليك من أن تنظر إلى السماء أو إلى الأرض ، بل هو وراء المكان . وانظر : الرسالة ( 2 / 597 ) .